من بعض التعريفات التي يقترحها مالك بن نبي للثقافة هي أنَّها: ما يبقى عالقا بالأذهان حينما ينسى المرء ما تعلَّمه على مقاعد المدارس والجامعات، فقد طرحها بهذا الأسلوب وكأنها ذلك الروح الذي يعمل على إعطاء صفة "الهُوية" والمساحة اللازمتيْن لوجود وحركة الفرد ضمن إطاره المعيشي المريح، لذا هي مهمة جدا، هي الروح الذي يعتبرها صماما مهما لأمان الشعوب المسلمة، وبما أنَّ هذا غائب فهي الآن متخلِّفة، متوجهة بتوجهات الثقافة الغريبة عنها، والتي يديرها الاحتلال بشكل محترف للغاية.

لكن هذا لم يكن بأسباب خارجية خالصة، فهناك في نظر مالك بن نبي بعض الأمور الجوهرية التي تدفع بالثقافة إلى هذه الحالة، ومن هذا يعود إلى دراسة العصر الذهبي للحقبة الإسلامية المجيدة، أو كما عبَّر عنها بـ: "ما قبل الموحدين"، حيث يعطي مثالا على أهمِّ ركائز صلابة الثقافة المسلمة آنذاك، حين يرى: "أنَّه لا يعدو كونه مجرَّد راعي ماشية جعل منه الإسلام خليفة، وهكذا كان (عمر) العظيم الذي نعرف مدى حساسيته الأخلاقية المتوفِّرَة، أوَّل من فتح طريق (النقد الذاتي)" (مالك بن نبي، القضايا الكبرى).

هو التعبير المفتاح في ثقافة مالك بن نبي "النقد الذاتي"، وهذا ما يلاحظ غيابه أيضا في المجتمعات المتخلفة، بحيث نجد المسلم/الفرد اليوم، إمَّا أن يمتلكه جنون العظمة والهوس بالماضي العتيد، ومنها ما يسلبه الانبهار الشديد بالمنظومة الغربية، ليترك سوطه الصلب يجلد ذاته الثقافية بشكل مبالغ فيه، بدون أن ينسى تدخُّل الاحتلال "الامبريالية" من أجل تغذية هذا وذاك. وإمَّا لا توجد هناك ثقافة ضعيفة، بل هناك الواهنة منها، هذا حال الثقافة المسلمة منذ القرن الخامس عشر ميلادي، وهذا راجع للكثير من العوامل، أهمها غياب أو فتور موقعها لدى المسلمين الذين ينتسبون إليها، لتتكوَّن بذلك عقدة اجتماعية تجلد أو تهرب من هويتها واختلاف أجناس أطرافها الإنسانية، قد يصادف أن يقع المجهود البشري في الخطأ/غير المقبول أو الحياد عن مساره نحو القوَّة والبقاء، لكن هذا يحصل فقط بوهن الثقافة التي يعتمدها هذا العنصر البشري في روحه الحيّ، قد يموت هذا الجانب أو يبرد، قد تتثاقل حركته فيصبح بطيئا، كل هذه العمليات تدفع بالفعل الإنساني إلى اختيار طريق سهل من أجل القول: "أنا موجود"، وهذا يكون باتباع طرق التبعية/العبودية نحو ثقافة أجنبية عنه، هو حال المسلم في دائرة الثقافات الغربية كما أشار إلى ذلك مالك بن نبي في أكثر من موضع.

تتجدد الثقافات بالنقد الداخلي، أو كما أشار إليه مالك بن نبي بـ: النقد الذاتي، فتصبح عبارة عن محرِّك لا تصيبه الأعطال على الدوام، وحتى وإن أصابته بعضها، فهي تتخذ صيغة المؤقت، لأنَّ ذلك النقد يلعب دور المرمم والمصلح وحتى المعتني بتلك الثقافة، ومن الداخل طبعا، هنا يمكن أن أضيف اندهاشي بالكم الهائل للتغريد على مواقع التواصل الاجتماعي باللسان العبري من فلسطين المحتلة وغيرها من مناطق العالَم، ومدى تجاوب هؤلاء مع بعضهم البعض، في حركة الكترونية ملفتة لاستعمال النقد الذاتي للذات الصهيونية أولا واليهودية ثانيا من أجل ضمان استمرار الثقافة العبرية القديمة رغم تغيُّر وتبدُّل الأزمان والحقب.

لقد فهم مالك بن نبي – فيلسوف الجزائر المطرود – كما فهمت الإمبراطورية الإنجليزية والفرنسية أنَّ التغيير هو سنَّة أو قانون إلهي ثابت في الحياة، لدى دعا إلى التغيُّر ذاتيا لمسايرة الواقع، بدل تغيير يأتي وفق ظروف اضطرارية تدفع إلى مسارات جديدة وغير متوقَّعَة. "فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا إمكانات، إنَّ القضية كانت في أنفسنا، إنَّ علينا أن ندرس أوَّلا الجهاز الاجتماعي وهو الإنسان، وليست السلال وغيرها، فإذا تحرَّك الإنسان تحرَّك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن، سكن المجتمع والتاريخ" (مالك بن نبي، تأملات).

………………….

"لولا الولايات المتَّحدة الأميركية، لتحدَّث الفرنسيون باللغة الألمانية" هكذا غرَّد الرئيس الأميركي السابق رقم خمسة وأربعون دونالد جون ترامب، على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد نقل هذا التصريح موقع قناة "يورو-نيوز" الأوربية بواسطة مراسلها من فرنسا، الصحفي محمد شعبان يوم: الثالث عشر من شهر نوفمبر سنة ألفيْن وثمانية عشر.

بالنسبة لي كجزائري، تُعتَبر هذه الجملة عبارة عن مفتاح يُمكنه أن يفتح للمتأمِّل في القضايا الاحتلالية لباريس المجرمة آخر الأبواب، فيزيل آخر البقع القاتمة، مِن أجل التأسيس لبداية واقعية لما نشهده من تحوُّلات كبرى على الساحة الثقافية، الجزائرية والعالَمية.

مزوار محمد سعيد

مؤلِّف: قاتلي يتدرَّب في شيكاغو

www.msmezouar.wordpress.com