- مقدمة:

نموذج آسك أو ASC form تقنية وأسلوب جديد للتعرف على هوايات الطلاب وما يرتبط بها من مواهب وطموحات. والنموذج عبارة عن استمارة من “صفحة واحدة فقط” تتضمن ثلاثة عناصر رئيسة هي: المواهب والهوايات والطموحات، ويقسم كل عنصر رئيس إلى أقسام محددة، ومن ذلك تصنيف المواهب إلى "ذهنية وبدنية ونفسية"، وتصنيف الهوايات إلى "معرفية ورياضية وعملية وتطوعية"، وأخيرا تصنيف الطموحات إلى "معرفية ومهنية واجتماعية".


تقوم فكرة آسك ASC form على تقديم مفاهيم دقيقة وأكثر تحديدا لمفردات الموهبة والهواية، بمستوى يمنح مستخدم النموذج طريقة سهلة وحاسمة للتفريق بينهما من الناحية النظرية، وتجنب ما يترتب على الخلط الاصطلاحي من اضطراب في نواحي التطبيق والممارسة. يرى آسك أن المواهب عبارة عن "ملكات وقدرات ما قبل التعلم"، بينما ينظر إلى الهوايات كأنشطة تتطلب سلة “قدرات” لممارستها. 


بين ما يقدمه النموذج من مفاهيم وما يكشفه من علاقات بين عناصره الثلاث، تتكشف للمستخدم خيوطا مهمة للربط بين قدراته وأنشطته، ولتفسير ميوله المهنية والاجتماعية والمعرفية.


- هل يجسر بين المصطلحات؟

في ميدان التعليم والتربية ثمة عقدة مصطلحية ومفاهيمية تتطلب حلا.. ما هي العقدة المقصودة؟ وما الفكرة الأنجع لحلها؟ في هذا المقال، رأيت المبادرة إلى اختراق السقف من أعلاه، والتصدي لمشكلة حقيقية تشوش على الفاعلين في حقل التعليم، وفي ساحات التدريب وتنمية القدرات.


إن استمرار الجدال النظري حول مصطلح ما أو عدة مصطلحات لفترة طويلة، يعد مؤشرا إلى ضعف الحساسية تجاه المفردات والمصطلحات بصفة عامة، بغض النظر عن دائرة المصطلح أو مجاله..


في حقل التعليم، خلط شائع بين مفردات (الموهبة، الهوايات، والمهارة) وينتج عن هذا الخلط، تشويش بالغ في رؤى الناشئة، ومن ثم في اهتمامهم وتفاعلهم مع المفردات نفسها؛ إذ إن وضوح الفكرة يعد أول محفز، وأفضل دافع للتفاعل معها وتبنيها. إن عدم اهتمام الطلاب بتعزيز هواياتهم، غالبا ما يعود الى غياب (الفكرة) وأعني بذلك: عدم امتلاكهم فكرة صحيحة وجيدة وفعالة عن الهوايات نفسها.. ومن الطبيعي ألا يهتم الشخص بما لا يدركه بشكل جيد.


إذاً.. ما هو النموذج المقترح من جانبنا لتجسير العلاقة بين المفردات المذكورة، وإزالة الخلط الشائع؟ ما هي فكرة النموذج؟ وما هي عناصره الثلاثة الواردة في عنوان المقال؟ 


في أواخر عام 2015م، بدأت برنامجا تعليميا لاكتشاف هوايات الطلاب، مستخدما استمارة خاصة، قمت بتصميمها تلبية لحاجة البرنامج.. وكانت الفكرة المسيطرة على ذهني حينها: أن الطالب بحاجة إلى إعداد سيرة ذاتية تتضمن مواهبه وهواياته؛ بغرض تتبع أنشطته وتطورها خلال فترة دراسته الجامعية.. وكانت الاستمارة الجديدة، مساعدة للطالب في إعداد السيرة الذاتية المقصودة.


أطلقت على الاستمارة اسم: نموذج أحمد حمدان للسيرة الذاتية للطالب، وأصبح اختصارها الجاري: نموذج ASC أخذا بالأحرف الأولى من الاسم الإنجليزي: AHMED HAMDAN STUDENT CV FORM ليستقبل مجتمع التعليم، أداة ووسيلة تعليمية مساعدة، وتطبيقا جديدا لإعداد السيرة الذاتية للطلاب.


تحتوي استمارة آسك على ثلاثة عناصر رئيسة هي: المواهب والهوايات والطموحات.. ويمثل اختيار العناصر المذكورة، أهم خطوة نحو حل عقدة الخلط المصطلحي الشائع، بأسلوب تطبيقي دون حاجة إلى تفصيل نظري مطول؛ إذ إن المستهدف بالفكرة معلمون وطلاب، وهم أكثر حاجة إلى حلول عملية، وأدوات فعالة وسهلة الاستخدام في ميدان العمل.


في القسم الأول من النموذج، قدمت تعريفا موجزا للمواهب، مستخدما تقنية (الكلمة الواحدة) حيث وصفتها بالقدرات/ الملكات Abilities وقمت بتصنيفها الى ثلاثة أقسام هي (مواهب ذهنية، بدنية، ونفسية).. أما القسم الثاني، فقد عرفت فيه الهوايات بأنها أنشطة Activities وصنفتها الى أربعة أقسام هي (هوايات معرفية، رياضية، عملية، وتطوعية).. أما القسم الثالث في النموذج، فقد خصصته للطموحات، ووصفتها بالتطلعات Aspirations وصنفتها إلى ثلاثة أقسام (طموحات مهنية، اجتماعية، ومعرفية).


تطبيقيا.. نجد تناظرا كبيرا بين أقسام كل من المواهب والهوايات والطموحات، وتقوم فكرة النموذج على اكتشاف شبكة العلاقات المتوفرة بين العناصر المذكورة، وتأكيد ترابطها وتآزرها بشكل دائم، ما دامت متعلقة بنفس الشخص.. والتأكيد على تصحيح التعارض المصطلحي الشائع حولها، وتصحيح الأخطاء الشائعة فيما يتصل بجملة مفردات ذات صلة بها، كالمهارة والإبداع..


يقدم نموذج ASC لطلاب المدارس والجامعات، تطبيقا عمليا، يجمع بين ايديهم شتات مصطلحات عديدة في استمارة واحدة، وفي قالب سهل الاستخدام. يطلب النموذج من الطالب كتابة هواياته (أنشطته المفضلة) حسب التصنيف المذكور سابقا، ومن ثم يقدم له روابط لعلاقات أنشطته بمواهبه (قدراته) وما يتطلبه كل نشاط (هواية) من سلة قدراته (مواهبه).. وفي الجانب الآخر، يقدم النموذج ملامح لعلاقة كل هواية من هوايات الطالب بطموحاته (تطلعاته) المستقبلية؛ حيث تمثل الهوايات ميولا في الحاضر، بينما تعبر الطموحات عن ميولات المستقبل.


يقرر النموذج بأسلوب تطبيقي، أن الموهبة ليست هي المهارة أو التميز.. بل ليست مجرد الذكاء والعبقرية والتفوق الذهني. إن هناك ثمة مواهب بدنية ونفسية يوليها ASC اهتمامه أيضا، ويقدمها للطالب في إطار علاقاتها بأنشطته الجارية.


ويقرر ASC دون طرح نظري مطول، أن الهوايات ليست مجرد أنشطة ترفيهية تستهلك أوقات فراغنا!! لكنها جميع أنشطتنا المفضلة، معرفية ورياضية وعملية وتطوعية. ويقدم للطالب ما يربط بينها وبين طموحاته المستقبلية، مهنية واجتماعية ومعرفية.. وما على الطالب كمستخدم للنموذج، سوى الاستمرار في اكتشاف المزيد من العلاقات البينية بين قدراته وأنشطته وميولاته، مستفيدا من استمارة آسك.


- هل يعزز اهتمام الطلاب بهواياتهم؟

إن عدم توفر بيئات جيدة لممارسة الهوايات ليس العائق الوحيد أمام الطلاب  للاهتمام بهواياتهم وتنميتها. يعاني الشباب والناشئة، من مشكلة أعمق، تتمثل في عدم توفر مفهوم سهل وواضح للهواية نفسها بمستوى يحفزهم على الاهتمام بها وتعزيزها حال توفر ما تتطلبه من أدوات.


وكان أحد أهم دوافعي لابتكار نموذج ASC: تقديم فكرة واضحة عن الهوايات والتفريق بينها وبين المواهب، إلى جانب بناء علاقات ذهنية أكثر وضوحاً بينها وبين الطموحات المهنية والاجتماعية والمعرفية للطلاب في مرحلتي الثانوية والجامعة.


ولتأكيد فكرة النموذج فإن ASC عبارة عن استمارة "سيرة ذاتية للطالب"، تستخدم كأداة لاكتشاف الهوايات، إلى جانب استخدامات أخري مثل: التوجيه الدراسي والمنشطي وجمع البيانات لأغراض تربوية مختلفة وتقويم البرامج التدريبية وغيرها..


في الجزء الثاني من نموذج ASC وصفت الهوايات بأنها "أنشطة" كمدخل في غاية الأهمية للتفريق بينها وبين المواهب التي وصفتها في الجزء الأول بوصف "قدرات".. وقمت بتقسيم الهوايات لأربعة أنواع "معرفية، رياضية، عملية، وتطوعية" لتشمل كافة الأنشطة تقريباً. إن المعرفة والتعلم، والرياضة والتسلية، والعمل والإنتاج، إلى جانب الأنشطة التطوعية تمثل عامة الأنشطة المفترضة للطلاب ولغيرهم أيضا.


• في سؤال الهوايات المعرفية يتعرف النموذج على أبرز الميول المعرفية لدى الطالب ورغباته الدراسية وما يهواه من موضوعات مثل: التاريخ، الفلك، العلوم، الإدارة، الرياضيات.. إلخ.

• ويتعرف ASC على الميولات الرياضية للطالب في السؤال الثاني في قسم الهوايات لتحديد أبرز أنشطته الرياضية الفعلية مثل: كرة القدم، السباحة، المشي، الجري، ركوب الخيل أو الدراجات،.. إلخ.

• ومن ثم ينتقل النموذج إلى جانب المهن والأعمال والأنشطة الإنتاجية ليتعرف على ميول الطالب ورغباته في هذا الجانب مثل: استخدم الحاسوب، برمجة الهواتف النقالة، تربية الدواجن، زراعة الخضر، صيانة السيارات،.. إلخ.

• وفي السؤال الأخير في قسم الهوايات يطلب النموذج من الطالب تحديد ميوله في الأنشطة التطوعية مثل: البرامج البيئية، الإسعافات الأولية، التدريس، التشجير.. إلخ. وقد تكون مماثلة لما قبلها من الأنشطة المهنية أحياناً أو مختلفة عنها بحسب الأشخاص.. وقد علق طالب بالثانوية بعد مشاركته في دورة استخدامات ASC بمدينة الفولة السودانية العام الماضي بقوله: يساعد النموذج في تنمية الهوايات وإثراء الأنشطة وتحسين مستوى الاهتمام بالمعرفة، ومن أهم إضافاته إدراج التطوع ضمن هوايات الطلاب.


وتأكيداً لرغبة النموذج في تعزيز اهتمام الطلاب بهواياتهم، جاء الجزء الثالث منه بعنوان "الطموحات" ليشمل المهنية والاجتماعية والمعرفية، وإن كانت الطموحات المهنية هي الأقرب لتفكير طالب الثانوية أو الطالب الجامعي نفسه وكلاهما يستهدفه ASC.. ويفترض النموذج توفر علاقات جيدة بين هوايات الطالب وطموحاته لا سيما الهوايات المعرفية والمهنية.


بتقديمه فكرة موجزة للهوايات وتقسيماً جديداً لها والربط بينها وبين الطموحات، يرسم نموذج ASC أداة تربوية جديدة من شأنها الإسهام بفاعلية في تعزيز اهتمام الطلاب بهواياتهم، وإن لم تتوفر أدوات مادية وبيئات جيدة لتعزيزها بالفعل.


- هل يلبي احتياجا؟

إن بساطة فكرة آسك وسهولة استخدامه، دفعت عددًا كبيرًا من الطلاب إلى كتابة انطباعاتهم عنه وتجاربهم معه، وكان لطلاب وطني الثاني "تشاد"، في مختلف المراحل الدراسية نصيب وافر من التفاعل مع النموذج على فيسبوك خصوصا.


كتب طالب الادارة في جامعة آدم بركة، شرقي تشاد، صالح عبدالكريم محمد: «إن استخدام ASC يساعد في التركيز والحصول على المزيد من فرص النجاح». ويضيف صالح في بوست آخر: «إننا بحاجة إلى ذخيرة من مهارات آسك؛ لتحقيق أكبر قدر من السعادة والإشباع المعرفي في حياتنا».


ولم يقتصر الاهتمام بالنموذج على الطلاب التشاديين المقيمين بالداخل فحسب، بل كان لطلاب الخارج من غينيا والكاميرون والسودان ومصر إلى تركيا وتايلاند، إسهام وافر في التعليق على آسك.


عبد الغفار صالح، طالب في قسم اللغة الإسبانية بجامعة غينيا الوطنية، توقع أن يجد آسك قبولا واسعًا في مجتمع التعليم. وكتب الطالب في جامعة القاهرة، نذير مهدي خاطر: «إن نموذج ASC أداة فعالة لاكتشاف المواهب المخبأة، وخير دليل ومعين ومساعد للطالب».


وكتب حسن عبدالله حسب الله، من طلبة جامعة كردفان السودانية قائلا: «لقد ساهم النموذج في تنمية وتعزيز مهاراتنا، وساعدنا في رفع مستوى أنشطتنا، وطموحاتنا أيضا».


- استخدامات شخصية متقدمة:

تمهيد:

في الجزء الأول من المقال، قدمت مادة تعريفية مفصلة عن نموذج آسك، فكرته واهميته وعناصره، واستخداماته الشخصية والتربوية. وفي الجزء التالي، أقدم مقترحات لاستخدام شخصي أكثر فاعلية لنموذج اكتشاف الهوايات، ويشرفني تفاعل السادة المعلمين، وشركاء التعليم، وأسعد بأفكارهم ومقترحاتهم لتطوير استخدامات النموذج، وتعزيز حضوره في حقل التعليم والتدريب.


- استخدام شخصي متقدم:

في الاستخدام الأساسي لنموذج ASC، تتشكل ملامح الطموحات المهنية والمشروع (المهني) لمستخدم النموذج، عن طريق اكتشاف أبرز ميوله وهواياته.. أما في الاستخدام المتقدم advance للنموذج، فإن المستخدم، يوظف نظارة جديدة، ذات قدرة على الغوص بعيدا؛ للنظر إلى أنشطته المعتادة برؤية أكثر عمقا.


في الاستخدام المتقدم، ينتظر من مستخدم النموذج التعامل مع المعرفة كمشروع project والرياضة كاحتياج need.. أما العمل فميدان لتطبيق المعرفة و"التعلم"، وإلى جانبه التطوع كنمط من أنماط العمل.


وينتقل المستخدم من التعامل مع المعرفة كمفردات ورغبات، إلى النظر إليها كمشروع مستمر وضرورة حياتية. وعادة ما ترتبط أبعاد المشروع المعرفي الشخصي (سعة/عمق/مدى) بمستوى القدرات الذهنية والاستعدادات النفسية والبدنية؛ مما يصنع رابطا أكثر وضوحا بين النشاط المعرفي وسلة القدرات الشخصية.


في الاستخدام المتقدم للنموذج، ينتقل المستخدم من التعامل مع الأنشطة الرياضية كهوايات إلى النظر إليها كحاجة need وضرورة لتعزيز القدرات اللازمة للجهد المعرفي؛ ليصبح استخدام آسك داعما لتطوير مشروعه المهني إلى مشروع معرفي مستمر.


(1)

- كيف تفكر بطريقة نموذج آسك:

هل بإمكاننا استخدام آسك كأسلوب للتفكير؟ وإذا كان ذلك ممكنا، فما مدى فاعلية النموذج في ما ننتجه من أفكار وخطط وبرامج؟ وكيف استخدام نموذج آسك كأسلوب للتفكير والتخطيط لمختلف أنشطتنا الحباتية؟


تقوم فكرة نموذج ASC على الربط بين ثلاثة عناصر أساسية، هي (المواهب والهوايات والطموحات).. ويهدف إلى توفير أداة وآلية متعددة الاستخدامات، لفئة الطلاب على وجه الخصوص، من شأنها مساعدتهم في اكتشاف مواهبهم وميولهم واكتشاف جملة علاقات بينية مهمة.


وسبق أن تناولت في مقال سابق، سلة استخدامات أساسية للنموذج، من بينها: التخطيط لتطوير الأنشطة المعرفية والمهنية وغيرها من ضروب الهوايات حسب النموذج، ولعل ذلك هو الاستخدام الأقرب؛ إذ يتطلب التخطيط تفكيرا وتأملا بالضرورة.


إن ثمة خيطا رفيعا بين استخدام النموذج أداة للتخطيط واستخدامه أسلوبا للتفكير، يجدر بنا التوقف عنده بشيء من التأمل والتفصيل:

- أن نستخدم النموذج كأداة، يعني أننا نستخدمه تقنيا عند الحاجة إليه، كغيره من الأدوات والوسائل المساعدة. أما استخدامه كأسلوب تفكير، فهو مرحلة أكثر تقدما وعمقا. في أسلوب التفكير نتقدم إلى جوهر فكرة النموذج.. نهتم بطريقته في تفكيك العناصر وأسلوب الربط المنتج بينها.. نفعل ذلك بغرض الحصول على أنشطة أكثر منطقية وترابطا وديناميكية.

- في الاستخدام التقني الاساسي المحدود للنموذج، يهتم المستخدم بتوظيفه في رسم خطة بسيطة لكنها واضحة ومحددة الأنشطة حسب تصنيف آسك.. أما في استخدامه كأسلوب تفكير فإن اهتمام المستخدم يتجه إلى عرض أنشطته الجارية على مجمل النموذج.. وملاحظة ما إذا كانت شاملة ومناظرة لكل من عناصره.

- إن التفكير عملية سابقة للفعل عادة.. واستخدام النموذج كفكرة نعرض عليها مجمل أنشطتنا، يعد سابقا لاستخدامنا للنموذج تقنيا كأداة تخطيط محدود لتطوير بعض الأنشطة حسبما يتوفر لنا من أوقات وأدوات.


- هل تفكر بطريقة آسك؟

أن تفكر بطريقة نموذج آسك، يعني أن تصنع خيوطا واصلة بين كل من أنشطتك وما يناظرها في متن النموذج.. ليجد كل من عناصره مناظرا له في سلة أنشطتك الحقيقية الجارية.. وكأنك تقوم بمحاكاته عمليا في جميع أنشطتك المعرفية والرياضية والعملية والتطوعية.. وتقوم بذلك أيضا في سلة طموحاتك مهنيا ومعرفيا واجتماعيا.


إن كنت تفعل كل ما سبق مستخدما آسك أسلوبا للتفكير.. فما مدى فاعلية ذلك وتأثيره؟ إن النموذج في عمق فكرته إنما يهدف إلى تعزيز شخصية المستخدم وتحفيزه ودعم نجاحاته؛ وذلك حسب طريقة ASC في اكتشاف تفاصيل صغيرة لا يهتم بها الأشخاص عادة..


إن استخدام النموذج أسلوبا لملاحظة مختلف الأنشطة الشخصية وتتبعها والاستمرار في مقارنتها بالعناصر الأساسية والتفصيلية للنموذج.. ليس سوى خطوة عظيمة الفاعلية في تعزيز الاهتمام بمختلف الأنشطة الشخصية، عن طريق التركيز الشامل على مختلف الجوانب قبل الانتقال إلى التخطيط لتطويرها في خطوات ومراحل حسب الأهمية والإتاحة.


(2)

- اكتشاف الذات باستخدام نموذج آسك:

يعمل ASC على تقديم أداة جديدة لاكتشاف الذات وبناء القدرات. وينطلق النموذج من فكرة الهوايات و"الأنشطة" وشبكة علاقاتها وما يتصل بها من مواهب وطموحات.


إن الاهتمام بالأنشطة الجارية للمستخدمين، والانطلاق منها في رحلة التطوير، ليست فكرة جيدة فحسب، لكنها مدعاة للفاعلية أيضا؛ إذ إن الأنشطة ليست سوى شاشة لعرض قدراتنا وجداراتنا بمختلف تقسيماتها (ذهنية، بدنية، نفسية) حسب توصيف النموذج.


إن من أفضل ما يمتاز به ASC form خاصية اكتشاف العلاقات، سواء بين الهوايات نفسها، أو علاقة كل منها بالمواهب وبقدرات ما قبل التعلم، وبالطموحات المستقبلية أيضا. إن النموذج لا يكتفي باكتشاف الهوايات بمختلف أنواعها، او العلاقات بينها فحسب، بل يهتم بالتباين في مستوى الهوايات ودرجاتها، ويعمل على رسم لوحة فنية دون أن يخفي تباين الألوان وتدرجات كل لون على حدة.


ويعد نموذج ASC من أكثر الأدوات تركيزا على الهوايات واهتماما "بالأنشطة الجارية" كمنطلق لاكتشاف الذات وتعزيز قدراتها باستمرار.


(3)

- نموذج آسك وتحديد الاحتياجات المعرفية:

يوفر النموذج أسلوبا ذا مرونة كبيرة، يتيح للمستخدمين فرصا أكبر لاكتشاف قدراتهم وميولاتهم وتحديد احتياجاتهم المعرفية والتقنية. وتساعد استمارة "ASC form" في قراءة مجمل شخصيات المستخدمين، وتشخيص احتياجاتهم الأكثر إلحاحا؛ وذلك لاعتمادها على فكرة الهوايات و"الأنشطة الجارية" كمؤشر لاكتشاف مختلف القدرات والميول والاحتياجات..


عند استخدامه للنموذج، يلاحظ المستخدم زيادة قدرته على اكتشاف ملامح ميولاته في جانب الأنشطة المعرفية، لينتقل من بعد، من مجرد الملاحظة إلى دائرة أكثر تحديدا، وذلك حين يربط بين قدراته واحتياجاته الدافعة نحو مختلف الأنشطة. أما المعلم فيمكنه ملاحظة الفروق الفردية بين مستخدمي النموذج بكل سهولة ويسر، وقراءة كل من القدرات والاحتياجات المعرفية، والاستدلال بكل منها على الأخرى، فضلا عن ملاحظة اتصالهما بالأنشطة الجارية للمستخدم.


يلاحظ المعلم أن بعض المستخدمين أكثر (تقنية) ومحدودية في تفاعلهم مع النموذج، ويتحرك بعضهم في دائرة مهنية (تقنية) شبه مغلقة، لا تتعداها أسئلتهم أو استفسارتهم.. بينما يلاحظ آخرين أكثر تمردا على الأسئلة التقنية المحدودة، وأعلى رغبة في التواصل مع الأفكار. وما بين هؤلاء وأولئك يرسم المعلم منحنى "القدرات والاحتياجات" ومن ثم له أن يتوقع ما يمكن أن يحققه كليهما من نجاحات عادية أو طفرات.


بطبيعة الحال، ليس من مقاصد ASC المفاضلة بين المستخدمين وترتيبهم، وإنما مساعدتهم في التعرف على ميولاتهم وقدراتهم واحتياجاتهم بشكل أفضل من ذي قبل. ولنا أن نشبه النموذج بأداة "لإعادة ضبط" أو استعادة ضبط الإعدادات الأساسية، ومن ثم للمستخدم تثبيت ما يشاء من برامج وتطبيقات مدعومة من نظامه، وداعمة لأهدافه المستقبلية.


(4)

- كيف تعيد ضبط إعداداتك الشخصية باستخدام نموذج ASC؟

إن مجرد تكثيف الأنشطة، ليس كفيلا بتطوير وتنمية القدرات الشخصية.. بل إن الاهتمام بنوعية الأنشطة وجودتها فحسب، لن يكون عاملا حاسما لضمان التقدم الشخصي، أيضا.. 


يولي ASC form اهتماما كبير بالأنشطة.. ويقدم النموذج تصنيفا فعالا للأنشطة المفضلة أو ما نطلق عليه "الهوايات".


إن مجرد حصولنا على تعريف جيد للهواية، وتقسيمات فعالة لها، ليس كافيا للتأثير بعمق، في صنع تحول كبير، أو إحداث طفرات ونقلات مهمة في الشخصية. للتغلب على تقليدية البرامج الشائعة في مجال تطوير الذات، يعمل "ASC" كأداة تغوص بعمق أبعد من مجرد تنظيم أنشطة المستخدم أو تكثيفها بملء فراغات الاستمارة. إن الجانب المهم في النموج قدرته على إعادة ضبط الإعدادات الشخصية إن جاز الوصف.. ونعني بها: الاهتمام بالأفكار الرئيسة الموجهة لأنشطة المستخدم واهتماماته، ومخاطبة احتياجاته الرئيسية أيضا، والتعرف عليها بدقة، وتحديد ما إذا كانت ذهنية أو تقنية...


إن المفتاح الأهم في النموذج، العمل على نقل المستخدم من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، والنأي عن تقديم وصفات تطويرية "جاهزة" وساحرة تلائم جميع الحالات و"الاذواق".


إن الاحتياجات الشخصية عادة ما تكون مؤشرا للقدرات الذاتية، ويتطلب إشباع احتياجات كل شخص نوعا وكما مختلفا من الأنشطة.. ويمكننا تمثيل ذلك لاحقا بمنحنى الاحتياجات والأنشطة.


إن استخدام ASC form يمنح المعلم فرصة جيدة لقراءة أنشطة المستخدمين والتعرف على مؤشرات عامة حول قدراتهم واحتياجاتهم المعرفية كل على حدة.. ويعود المعلم ذاته إلى استخدام النموذج مجددا لمساعدة المستخدم في رسم خارطته المعرفية والمهنية، حسب احتياجاته وقدراته.


(5)

اختيار التخصص الجامعي باستخدام نموذج ASC:

عادة ما تكون عمليات الانتقال من مرحلة إلى أخرى، معقدة وعسيرة، إذا كان التعامل معها جزئيا بوصفها "حدثا" لا أكثر.. ونلاحظ صعوبة مراحل الانتقال في مختلف المستويات والمجالات، السياسي منها والاقتصادي والتعليمي أيضا. إن الانتقال بين المراحل والمستويات لن يكون بكل ما نراه من الصعوبة والعسر، إن استطعنا النظر إلى "الصورة الكاملة" وعملنا على وضع العناصر في إطار مترابط، بدلا من الاجتهاد في صناعة تقابل دائم بينها.


ويأتي الحديث عن اختيار التخصص الجامعي، في نفس السياق، حيث تبذل جهود كبيرة في لحظة "الحدث" لمساعدة الطلاب في انتقال سهل من الثانوية إلى الجامعة، بتقديم نصائح وإرشادات وبرامج وتقنيات، تبدو جيدة وإن كانت في توقيت غير جيد.


إن التعامل مع موضوع اختيار "اختيار التخصص"، كحدث مستقل يتطلب حلولا عاجلة، ليس غريبا في سلوكنا الاجتماعي؛ فإننا نتعامل بنفس الطريقة والأسلوب في معظم تفاعلاتنا الاجتماعية. في هذه المقالة محاولة للنظر إلى "اختيار التخصص" ضمن دائرة أوسع، ودعوة للاهتمام بها في وقت أبكر، واقتراح أداة حديثة نسبيا من شأنها مساعدة الطالب في اكتشاف الخيوط الواصلة بين أنشطته الجارية، وما يناسبه من أعمال مهنية في المستقبل، ومن ثم ما تتطلبه تلك الأعمال من تخصصات جامعية.


وترجعُ عامة الصعوباتُ التي تواجه الطالبَ عند اختيار التخصص الجامعي، إلى سببين:

1- ضعف الأنشطة المعززة لهوايات وميول الطلاب في المدارس الثانوية على وجه الخصوص، والتي يفترضُ اهتمامها ببناء روابطَ جيدةً بين أنشطةِ الطالب وطموحاته المهنية، ووضع رؤيةٍ واضحةٍ تدعم هذا الاتجاه.  

2- ما يحصل من تجاذب داخل الأسرة عند اختيار التخصص، كمظهر للفجوةِ النفسيةِ الكبيرةِ ومؤشرٌ لضعف التواصل المعرفي بين الآباء وأبنائهم. وعادة ما يتم اختيار التخصص دون استشارة الابن، ودون مراعاة رغباته وميوله وقدراته؛ مما يؤدي عادة إلى التعثر الدراسي، ومن ثم الفشل، أو التحطم والإحباط، وحرمان المجتمع من مبدعين يعشقون مجالاتهم الدراسية والمهنية فيما بعد.


وأرى أن يبدأ تعرف الأسرة على اهتماماتِ الابن وميولاته الدراسيةِ والمهنية منذ وقتٍ مبكر، وذلك عن طريق الملاحظة في المقام الأول، أو باستخدام بعضِ النماذج التربوية ذاتِ الصلة، مثل نموذج السيرة الذاتية للطالب ASC، وأن تعملَ الأسرة على رعاية هواياتِ الابن وتنميتها وتوجيهها؛ لتصبحَ رغباتٍ واعيةً وناضجةً، وذاتَ صلاتٍ حقيقيةٍ بواقعه الاجتماعي، وبفرصِ العمل المتوفرة. وتعد سيرة الطالب student cv أداة مهمة لمتابعة نموه الشخصي في الجوانب المضمنة في الاستمارة.. وتتضمن ثلاثة عناصر رئيسة هي (المواهب والهوايات والطموحات). وتقوم فكرة النموذج على مفهوم جديد للهوايات (جميع الأنشطة المفضلة) بوصفها أفضل وسيلة لاكتشاف العلاقات المتوفرة بين قدرات الطالب وملكاته من ناحية، وطبيعة ميوله الدراسية، وشكل مستقبله المهني وليس مجرد تخصص جامعي يختاره بعد الثانوية. 


- اختيار التخصص الجامعي أم اختيار المجال المهني؟

قد يفاجأ القارئ الكريم إن صرحت له بأن كاتب المقال (معلم مختص في تنمية الهوايات)، وقد أكمل عامه العشرين في مهنة التعليم، تخللتها سنوات في الصحافة، بينما كان تخصصه الجامعي الأساسي (دراسات مصرفية) في إحدى أكبر جامعات وطنه السودان.


إن طلابنا في المرحلة الثانوية، بحاجة إلى من يمنحهم رؤية أبعد مدى من مجرد (التخصص الجامعي)، ويمنحهم فرصة للتعرف على (المجالات المهنية) قبل اختيار التخصص. في استخدامنا لنموذج ASC نعمل على توجيه الطالب إلى التركيز على المجالات المهنية الملائمة لميولاته، ومن ثم اختباره في تحديد أي التخصصات أكثر صلة بها.


- العناوين الكبيرة للمجالات المهنية:

برأينا أن الدراسة الجامعية الاولى، ليست سوى إبحار عام في مجال مهني واسع، وتمليك لمفاتيح العلوم الأساسية في المجال المعني، مما يتطلب منح الطالب إتاحات اكبر في المراحل الدراسية والمعرفية التالية. وحسب تجربتنا في حقل التعليم فإن حاجة طالب الثانوية لرؤية وفكرة، أكثر من حاجته لتوجيه وإرشاد. في جلسة تدريبية مع طلبة جامعيين خلال فترة كورونا الأولى، طرحت سؤالا عن العناوين الرئيسية للأنشطة المهنية في المجتمع، لتأتي الإجابات مفاجئة حتى لاصحابها؛ فقد اكتشف كثير منهم أن تخصصاتهم الدراسية فروع متكاملة في "مجال مهني واحد". فما هي هذه العناوين المهنية الكبيرة دون اعتبار للترتيب؟ كان ملخص جلسة الحوار أن أنشطتنا المهنية تتلخص في:

1- التجارة.

2- الصحة.

3- التعليم.

4- الانشاءات.

5- الصناعة.

6- الزراعة.

7- التوجيه.

8- الأمن.

9- القضاء

10- الترفيه ..


عندما يكتشف الطالب ملكاته وميولاته المعرفية والمهنية في وقت مبكر، ويتعرف على طبيعة المجالات المهنية نفسها في ذات التوقيت، فإن عملية اختيار التخصص الجامعي ستصبح إجرائية، ولا تعدو كونها خطوة لتحصيل معرفي منتظم في مجال مهني تم اختياره مسبقا، بناء على قدرات وملكات وميولات شخصية، من شأنها أن تقدم للمجال المعني هواة قادرين على العمل والإبداع والتطوير.


- خاتمة:

حسب سلة الاستخدامات الشخصية المتقدمة للنموذج، يفترض في ASC أن يخطو بمستخدمه خطوة كبيرة لتحقيق تحول ذاتي حقيقي؛ من خلال اكتشافه للأنشطة المفضلة المرتبطة باحتياجاته المعرفية والنفسية، وبقدراته الذاتية وملكاته (مواهبه)، ومن ثم مساعدته في الانتقال من مرحلة "مشروع مهني محدود"، إلى مشروع معرفي مستمر.

-------------------------

* معلم سوداني