5

وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) [ الواقعة:70 ] ، فَلَوْلَا بِمَعْنَى هَلَّا ، وَهِيَ حرفُ تَحْضِيضٍ ، وَهُوَ الطَّلَبُ بِحَثٍّ وَحَضٍّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُطْلَبُ مِنْهُمْ شُكْرُ هَذَا الْمُنْعِمِ الْعَظِيمِ بِحَثٍّ وَحَضٍّ .

وهو ما يوجبه الإسباغ بهذه النعم تترى تعم الخلق أجمعهم . مذ أن خلق الله تعالى بريته وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها وهو غاية كما ترى في عظيم القدرة النافذة كما أنه غاية في عظيم الإنعام على ما سلف بيانه فتأمل!

ويُطْلَقُ الشكر مِنَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ تعالى كما قال سبحانه عن عبده ورسوله نوح عليه السلام (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا)[الإسراء:3].

كما أنه يطلق من الرَّبِّ  تعالى لِعَبْدِهِ. كما قال تعالى(لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)[فاطر:30].

وَشُكْرُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ يكون مَعْنَاهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ جَمِيعَ نِعَمِهِ فِيمَا يُرْضِيهِ تَعَالَى . فَشُكْرُ نِعْمَةِ الْعَيْنِ أَلَّا يَنْظُرَ بِهَا إِلَّا مَا يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا ، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الْجَوَارِحِ . وَشُكْرُ نِعْمَةِ الْمَالِ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ أَوَامِرَ رَبِّهِ وَيَكُونَ مَعَ ذَلِكَ شَاكِرَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ .

وَشُكْرُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كما سبق. ومنه قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) [الواقعة: 56 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)[البقرة:152].  

وَأَمَّا شُكْرُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ فَهُوَ أَنْ يُثِيبَهُ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ مِنْ عَمَلِهِ الْقَلِيلِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [ البقرة: 158 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)[فاطر:34].

ومَادَّةَ الشُّكْرِ تَتَعَدَّى إِلَى النِّعْمَةِ تَارَةً ، وَإِلَى الْمُنْعِمِ أُخْرَى.

فَإِنْ عُدِّيَتْ إِلَى النِّعْمَةِ تَعَدَّتْ إِلَيْهَا بِنَفْسِهَا دُونَ حَرْفِ الْجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى(رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ )[النمل:19].

وَإِنْ عُدِّيَتْ إِلَى الْمُنْعِمِ تَعَدَّتْ إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ الَّذِي هُوَ اللَّامُ كَقَوْلِكَ : نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَشْكُرُ لَهُ ، وَلَمْ تَأْتِ فِي الْقُرْآنِ مُعَدَّاةً إِلَّا بِاللَّامِ ، كَقَوْلِهِ تعالى(وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)[البقرة:152]. وَقَوْلِهِ سبحانه (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)[لقمان:14]. وَقَوْلِهِ سبحانه (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)[البقرة:172]. وَقَوْلِهِ تعالى(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت:17].

ودليل مجيئها مقترنة باللام اختصاصا به سبحانه وتفردا وإيحاء بمعنى اللصوق منضافا إلى معنى الاختصاص.

وهو مايكسو لفظة الشكر بكساء العظمة والهيبة والإخبات في آن.

غير أن دلالتها على التعليل لاتتأباها طبيعة حرف اللام أيضاً . مما يشي ببلاغة الاستخدام للحرف الواحد في نظم كهذا ليبدو بلاغيا أياما كانت البلاغة وليبدو مؤثرا في الوجدان كما ينبغي له أن يؤثر. فتأمل!


ومن ذهب إلى أن هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ اقْتِرَانَ جَوَابِ " لَوْ " بِاللَّامِ ، وَعَدَمَ اقْتِرَانِهِ بِهَا كِلَاهُمَا سَائِغٌ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)[ الواقعة:65] ، بِاللَّامِ ثُمَّ قَالَ (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) [ الواقعة:70 ] ، بِدُونِهَا .هو قول ليس سائغا!

دلك على عدم نهوضه ما سقته لك كثيرا أثناء بيان كريم لهذه الآية الكريمة. ذلك لأنه تعالى أيضا إنما أودع في كتابه الكريم القرآن العظيم من ودائع الإعجاز والبلاغة ماينبو عنه ذلكم قول، وذلك أيضا لأنه ما من حرف إلا وقد جاء في موضعه ليبين حالة من البلاغة القرآنية ما ينبئ بها عن سرإعجازه وبلاغته في آن .

ألم تر أن حرف الواو أو حرفا من حروف العطف غيره إنما كان بوروده يكون حال الفصل قائما، وأنه بغير وجوده يكون حال الوصل باديا؟ فدل على ألا ثمة حرف إلا لهدف، ولاثمة كلمة إلا لغاية، ولاثمة عبارة إلا لبلاغة وإعجاز منقطع النظير. فتأمل!

وإن جاز لي من قول غير مفتئت على الله تعالى أن البلاغة القرآنية لتسمح بأن حذف اللام ههنا من جواب لو دال على السرعة والخفة في القول كيما يكون سائغا تنزله على سمع بشر، كما كان الماء عذبا فراتا جامعا بين حسن الطلعة وسائغ المذاق فتأمل.

ذلك أيضا أنه بوجود اللام، كانت دلالتها على أن فاصلا زمنيا يمكن تخيله بين المشيئة والجعل، وهو الذي نأى القرآن الكريم عنه، تنزيها لله تعالى عن قول مثل هذا، يمكن تسربه إلى قلب مؤمن، فتأمل أيضا!

ذلك لأنه لافاصل يمكن تخيله في عقد مؤمن به تعالى بين مشيئته سبحانه وبين إنفاذها. فتأمل أيضا!

ولعل إشارة إلى البيان البديع في الأداء القرآني العظيم، أنبأك عنه ذلكم الالتفات من ضمير إلى ضمير آخر. فذاك ضمير متصل في(أرأيتم)، وذاك ضميرمنفصل في(أأنتم)؟،والدوران بين تيكم الضمائر في تنزيل كريم قصير كهذا الذي بين أيدينا منحه حركة دائبة حتى استطال في معناه، وإن تقاصر في مبناه، وسبحان المنزل القائل(لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[فصلت:42]. وذلكم أيضا قد أضفى على النص اهتماما به ناسب الاهتمام بكونه قد تحدث عن الماء بالغة أهميته لسائر ما دب على أرض الله تعالى ربنا الرحمن سبحانه.

ولعل إشارة تالية إلى تصدر الآية الكريمة وسياقاتها المتعددة في ذلكم التحدي الظاهر في مجيء الأسئلة متكررة على أسماع القارئ والمستمع سواء بسواء.

وإن قيل وما هذا؟

قلت: إن بلوغ النص من التحدي والإعجاز كامن في أن الله تعالى قد خاطب الناس كلهم ،أأنتم كلكم أنزلتم ذلكم الماء كله من المزن؟ هذه واحدة!

ثم هل أحد منكم يمكنه ذلك فردا؟! وهذه واحدة أخرى!

ولما لم يكن هذا، ولما لم يحصل ذاك، فقد ترك لنا نحن الجواب. للعلم بمن أنزل الماء الذي تشربون من المزن عذبا فراتا سائغا، يذهب عطشا، ويروي ظمأً، لاملحا أجاجا، لايذهب عطشا، ولايروي ظمآنا!

هذا، وإن الإنزال متضمن للخلق. وذلكم اختصار آخر من اختصارات الكتاب المبين. ذلك لأنه قد استقر في وجدان كل مؤمن موحد علم أنه الله تعالى ربه وخالقه وأنه سبحانه خلق الماء ثم أنزله بعد أن خلقه. وتلك حيثية غاية في البيان، كما أنها غاية في التأثير في الوجدان وفي الضمير وفي المشاعر وفي التصورات، بحيث يمكنها أن تشحذ الهمم العالية إلى الإيمان، وبحيث يمكنها أن تسوق القلوب والأفئدة سوقا إلى الإخبات لرب كريم هذه قدرته، وإلى أن تركن لرحمة رب عظيم هذا خلقه سبحانه فتسيرسيرها الحثيث إلى مراضيه تعالى غير ناكصة عن السواء، وليست ماردة عن الجادة.

وهو ما يعد ثمرة طبيعية من ثمار التأمل في خلقه سبحانه أن تسوق الآيات والعبر الخليقة نحو سبيل ربها الرحمن سبحانه مخبتة خاشعة قانتة.


فإن قيل؟ ولم لم يذكر الخلق وهو أهم من ذكر الإنزال إذ به يكون  التحدي أقوى خاصة وأنه قد سبقه ذكر خلق ماتمنون؟

قلت: لأنه ليس ثمة ماء قد أنزل إلا وسبقه خلق له، وتلك بدهية عقلية فأغنى عن ذكرها للعلم بها ضرورة فتأمل! 

وأما عن ماتمنون فهو خلق بداهة وهي مرحلة يكون بها الإعجاز ضرورة أيضا.فتأمل!