بسم الله الرحمن الرحيم

كنت أُسأَلُ دائماً : ما الذي تستفيده من القراءة ؟ و كان هذا السؤالُ يستفزني ، و يغضبني ، و يثير دهشتي في الوقت ذاته ؛ فأنا قاريءٌ منذ أن تعلمت " فكَ الخطِ " تقريبا ، و لم أكن ، طوال سنواتِ القراءة الطِوال ، بحاجةٍ الى تبريرِ فِعْلِ القراءة ، فهي فيَّ - كشكلي و صوتي ...  - أمرٌ قدريٌ لا راد له .

كنت لهذا ، اغضب ، و اندهش ، اذا طـُـرِح هذا السؤال علي ، و لكني - بالرغم من ادماني القراءة ، وربما بسبب هذا الادمان ايضا - لم أكن استطيع الاجابة بوضوحٍ ، و حزمٍ ،  على هذا السـؤال ! كنت اقدم اجابات عامة تقليدية ، اجاباتٍ مدرسيةِ الطابع ؛ كنت أقول - وانا منفعل - :

ان اولَ ما نزل من القرآنِ الكريمِ بدأ ب " اقرأ " ،

ان العلمَ نورٌ ،

بالقراءة نأخذ العبرَ من الذين سبقونا، و نلحقُ بالذين تفوقوا علينا  ...

الى آخر هذه الاجابات ، التي - و ان عدَّدَت بعضَ فوائدِ القراءة - الا انها لا تفسر فِعْلَ القراءة ، و لا تكشف عن دوافعها .

و مع توالي السنوات ، و تنوع التجارب ، و تعدد النقاشات ، و تتابع الأزمات  ... أصبحتُ  ابحثُ عن اجابات لأسئلة وجودية الطابع :

لماذا ، و كيف حدث هذا و ذاك ، و ما هو المخرجُ من تلك المشكلة ، و هذه المعضلة ... هذا البحث عن الاجابات قادني الى قراءاتٍ متنوعة ، و الاهم ، ان هذا البحث - و ما سبقه و رافقه من نقاشات -  قادني الى طريقة قراءة و تفكير مختلفتين ، و بعد ان كانت القراءة متعة - اذ كنت اقرأ ما يروقني ، اقرأ باستمتاع دون توتر و قلق الباحث، ابتعد عما يتعبني و يؤرقني ... -  تحولت القراءةُ الى عملٍ مضن ؛ اصبحت تشكيكاً بالمسلمات ، و رفضاً للبدهيات ، و محاسبةٍ للاحياء و الاموات ، اصبحت همَّاً و عِبئا ، بعد ان كانت فرحاً و متعة ...  و أدركتُ انَّ القراءةَ الانتقادية ، و الكتابة الابداعية ، و الفن و الموسيقى ، و غيرها من جوانب الفِعل ، و الابداع الانساني ، هي سعي للبحث عن اجابات ، و وسائل للسعي الى الكمال ، و كتبت نصا - بعد نصوص أملتها علي تجاربي في القراءة و الكتابة - اسميته " الابداع و القصور و الصورة اللغز " ، قلت فيه :

(كان زوربا عندما تخونه الكلمات- و هو على أيِّ حالٍ مغامرٌ لا علاقةَ له بالأدب - كان يرقصُ رقصته المشهورة .... أليست هذه مفارقةٌ جميلة : أن يخلقَ العجزُ الابداع ؟ أن يتحول الحزنُ الى لَحْن ، و الجُبنُ الى قلعة ، و الحبُ المستحيلُ الى أغنية ، و اليدُ القصيرةُ - لصاحب العينِ البصيرة - الى رقصة ، و أن تتحول الغَصةُ الى قصة ؟ .

أليس هذا عجيبا ؟ و لكن لم العجب ، أليس في هذا سعيٌّ الى الكمال ؟ أليس فيه سعي الى فهم الكون، و فهم الذات  ؟ و كأن الحياةَ لغزٌ منحنا الله بعضَ قطعه ، و ترك لنا تخيلَ البقية ، اذن ما كل هذا الفِعْلِ ، و الانفعال البشري ، الا سعي نحو اتمام الصورة اللغز ) .

اذن ، نحن البشر - بممارستنا للقراءةِ و الكتابة ، و بابداعاتنا المتنوعة - نسعى الى الكمال ، الى اكمالِ فهمنا ، و اتمامِ انسانيتنا .

وكم كانت فرحتي عظيمة عندما وجدتُ لاحقا ، في نصٍّ يفيض حيويةً و انسانية ، تأصيلاً و تفصيلاً لهذه الفكرة- او ما يشبهها -  نص دلني عليه القاريء المخضرم ، و الباحث الانساني العميق ، خالي ،  الدكتور محمود السعدي ، النص هو : كتاب " بيداغوجيا المقهورين " للكاتبِ و المربي البرازيلي " باولو فريري" . و كم كانت دهشتي كبيرة عندما قرأته يقول حرفيا : 

 (الناس يعرفون أنهمغير مكتملين ، و هم على دراية بعدم اكتمالهم ، و تكمن في عدم الاكتمال هذا ، و في هذه الدراية ، جذور التعليمِ بحد ذاته باعتباره تجلياً انسانياً محضا . و يقتضي الطابعُ غيرُ المكتملِ للناس ، و كذلك الطابع القابلِ للتحوير للواقع ، ان يكون التعليمُ نشاطاً مستمرا ) .

ويقول - حرفيا - : 

( لا يمكن للاشخاص ان يكونو  آدميين حقاً بمعزلٍ عن البحثِ و الممارسة ... ) .

اذن نحن نتعلم ، و ننبحث ، و نقرأ ، لأننا بشرٌ نسعى الى الكمال ، من خلال تغيير الواقع اللانساني .

ان فريري - بتقديري - مهموم  ، بتغيير الواقع الانساني التعيس الظالم ، الواقع القمعي الاضطهادي العنيف ، لذلك يقدِّمُ كتابَه - منذ المُقدمة - الى "الراديكاليين" المنغمسين في واقع الناس ، المقتنعين بامكانيةِ تغييره ، انه ليس للانعزاليين - سواء كانوا  يساريين  او يمينيين - فهؤلاءسجناء لـ "يقينيات" مطلقة ؛ فاليمينيون الانعزاليون عن الواقع يريدون "تأبيد" الواقع الظالم ، يريدون "تجميد التاريخ " عند نقطة معينة ، و اليساريون الانعزاليون ،  يريدون تجميد المستقبل و قولبته .

اما الراديكاليون فهم المرشحون لتغيير واقع القهر و الاضطهاد من خلال ( تعليم يحقق التحرر الحقيقي ) .

انه تعليم لا تُملى فيه الافكارُ و لا المواضيع ، و لا يوجد فيه طالبٌ و لا معلمٌ بالمعنى التقليدي ، فالطالب يعلمُ و يتَعَلَم ، و كذلك المعلم ، يتحاور الطرفان حولَ الواقع الموضوعي في سعيٍ حثيثٍ لتغييره .

ان الحوارَ - في هذا النوع من التعليم - هو (مواجهة بين الناس ، يكون العالم فيه الوسيط من أجل تسمية العالم ) أو  "تحويره" ؛ أي تغييره الى الافضل ، حسب فريري . و لذلك فان هذا الحوار  ( حاجةٌ وجودية) .

و لأن المطلوب هو التغيير ، يلح فريري على اقتران الفكر بالفعل ، و يعتبر أن " الكلمة " - العنصر الاساسي للحوار -  يجب ان تتكون من فكر و عمل ، هذه هي "الكلمة الحقيقية" التي يمكن ان تحدث التغيير .

و لأن المطلوب هو التغيير ، يفرد فريري حوالي ثلاثين صفحة يناقش فيها كيفية تحديد محتوى الحوار ؛ ان هذا المحتوى - كالكلمة الحقيقية -  يجب ان يعبر عن الناس ، عن تطلعاتهم ، و اهتماماتهم ، و نظرتهم الى الواقع . لذلك يجب ان يشارك الناسُ بفعالية،  في تحديد الموضوعات التي ستطرح للنقاش .

و لان المطلوب هو التغيير ، يجب ان يكون التغييرُ ممكنا ، هنا يلح فريري على تاريخية الواقع الانساني ؛ و طابعه الجدلي ، فالتاريخ يصنعه الناس ، و هو يصنع الناس ، هناك من شيد واقع الظلم و الاضطهاد و القهر ، و من صمم المناهج التي ترعى هذا الواقع ، و تحافظ عليه لمصلحة طبقة معينة ، و لا شك ان هذا الواقع يؤثر على وعيِ الناس و سلوكهم ، و لكن هذا الوعي ، و هذا السلوك ، و الواقع الذي تحاول الطبقة الحاكمة جعله مؤبداً ، كل هذا من الممكن تغييره بعمل و فكر لا ينفصمان ، بوعي انتقادي ، و تدخل في الواقع ، انتقادي أيضا .

ان فريري في منطلقاته ، و اساليبه ، و اهدافه ، صاحبُ نظرةٍ تاريخيةٍ جدليةٍ انسانيةٍ للواقع ، فهو ينطلق من ميزة اساسية للانسان ، و هي : قدرته على تحوير الواقع بفضل اقتران النشاط بالوعي لديه ، او بفضل "الممارسة" ، ان الحيوانات "كائنات نشاط محض" ، و لا تستطيع لذلك تغيير واقعها ، اما الانسان فهو كائن واع ، "كائن قرارات" ، يستطيع تحديد الحدود التي تحدُّ ، و تخطيها ، ان الحدودَ - بنظر فريري و من استشهد بهم - هي بدايةُ الامكانياتِ بالنسبة للبشر ، و ليست نهايتها . 

هذا المنطلق ، أما الاسلوب ، فهو يعبر ايضا عن النظرة التاريخية الجدلية الانسانية ، فهو يرفض " الكلمات الطنانة " التي لا تعبر عن الناس ، و التي تجعلهم أوعية لايداع المعلومات ، بما يخدم النخبة المسيطرة ، و يقترح - كما تقدم - نظاما تعليميا تربويا حواريا ، الكلمات فيه حقيقية و كذلك المحتوى ، بذلك يصبح الانسان من خلال هذا التعليم  "فاعلا" بدلا من ان يكون "مفعولا به"  . 

و اما الاهداف ، فهي مبنية على المنطلقات و الاسلوب ، فما دام الانسان قادرا على التفكير و الفعل ، فهو قادر على تحقيق نفسه كانسان ، قادر على السعيِ الدائمِ لاكمالِ انسانيته ، قادر على " تسميةِ العالم " على "تحويره" و تغييره ليصبح مكانا افضل ، ليصبح انسانياً أكثر .  

باختصار : لأننا بشرٌ ، منقوصةٌ انسانيتُنا ، علينا أن نسعى بجدٍّ لاستكمالها ، و لا يمكن لهذا ان يتم بدون تعليم و تربية حوارية انسانية ، تكشف عورات الانظمة القمعية الاضطهادية اللانسانية ، و تسعى لتشييد نظام انساني .

لاننا بشر ، يجب ان نقرأ قراءة نقدية واعية ، تؤهلنا للتدخلِ في الواقع تدخلا انتقاديا ، تدخلاً يغير العقول و النفوس ، قبل ان يغير المؤسسات و الوجوه . لذلك ،  فان أي عمل سياسي - و هو عمل مطلوب و ضروري - يهدف الى تغيير جذري  ، يجب ان يرافقه عمل تعليمي تربوي حواري في كل مراحله . و الا فشل في التغيير ، فوصول حزب جذري الى السلطة ، بدون قاعدة و مشاركة شعبية واعية لاهدافها ، لا فائدة منه ، لان هذا التغيير سيكون مؤسساتيا فقط ، ستتغير الوجوه ، و يبقى جوهر القمع موجودا ، بل ان المناضلينَ أنفسهم قد يكونون مادة لثورة مضادة ، أو ، قد يستغلون السلطة للانتقام .

المطلوب هو تغيير ثوري حقيقي ، عمل سياسي تربوي تعليمي تحرري ، في جميع المراحل ، و على كل المستويات .

باختصار شديد : نحن نتعلم ، نبحث ، و نقرأ ، لأننا بشر نسعى الى اكمال انسانيتنا ، و ذلك من خلال تغيير واقعنا اللانساني . 

هكذا قال فريري ... أو : هذا ما فهمته من قراءتي لكتابه المهم ، الملتهب بمشاعر انسانية فياضة : بيداغوجيا المقهورين .