الجزء الثالث رواية يولا
الفصل الثالث من رواية يولا الفاصلة الممدودة
October 2023
كانت يولا تمشي في شوارع الشام وكأن الياسمين يستأذن منها قبل أن يفوح عطره
نظر إليها عدنان وقد هاله ذلك الفيض من الألق الذي يحيط بها فقال لها والذهول يعقد لسانه
يولا كيف لجسد واحد من طين وروح أن يحتمل كل هذا الزلزال من الحسن
كيف لا يتعب قلبك من حمل كل هذه التفاصيل الفاتنة إنني وأنا أنظر إليك فقط أشعر بعبء الجمال يثقل كاهلي فكيف بك وأنت منبعه
أردف عدنان وهو يرى انعكاس مآذن دمشق في عينيها
أنت يا يولا لست جميلة فحسب أنت قضية جمالية متكاملة أخاف عليك من هذا الحسن كما يخاف العابد على صلاته من الرياء أخبريني أي صبر أوتيت لتسيري بين البشر بكل هذا الوقار وأنت تحملين في ملامحك فتنة قادرة على إيقاف الزمن
كان عدنان يدرك تماما أن الحب الذي ينتهي بالزواج أو الامتلاك هو حب يدخل مقصلة العادة أما الحب الذي يخلد فهو ذاك الذي يظل عالقا في المسافة بين اللقاء والفراق
كان يدرك بفلسفته الوجدانية أن الارتباط هو المقبرة الأنيقة لكل المشاعر الجامحة وأن قصص الحب العظيمة في التاريخ لم تعش طويلا إلا لأن أصحابها لم يمتلكوا بعضهم بعضا
كان يعلم أن يولا في حياته ليست سحابة صيف بل هي إعصار سيعيد تشكيل تضاريس روحه وأن وجودها لن يمر مرور الكرام فإما أن يبني له مجدا من الشعر أو يترك خلفه حطاما من الذكريات
ورغم ذلك كان عدنان مقامرا بارعا بقلبه لم يكن يجهل الألم الذي ينتظره في أغسطس أو غيره بل كان يراه بوضوح يسير نحوه بخطى ثابتة وكأنه يختار ميتته المفضلة كان يقول لنفسه ما نفع الحياة إذا لم نغامر بكل شيء من أجل امرأة تختصر كل النساء وما قيمة القصيدة إذا لم تكتب بمداد من نزيف هذا الألم
دخل المغامرة وهو يعرف أن الثمن هو نفسه وأن الوجع الذي سيسكنه لاحقا هو ضريبة عادلة للذة الوقوف أمام حسن يولا ولو للحظة واحدة لقد اختار أن يحترق بنارها على أن يبرد في غيابها مؤمنا بأن الحب مقامرة والخسارة فيها هي النصر الوحيد الممكن
كانت تلك اللحظة هي المرآة التي رأى فيها عدنان روح يولا العارية من كل جمال ظاهري لتتجلى له كطفلة مكسورة في جسد ملكة
انتظرها عدنان لساعات وكان القلق ينهش جدران قلبه فالمواعيد مع يولا بالنسبة له كانت مقدسة كالصلاة وحين بدأ اليأس يتسرب إليه قادته حدسه إلى تلك الحديقة المهجورة التي لطالما وصفتها بأنها ملاذها من ضجيج العالم
هناك وجدها لم تكن أجمل الجميلات التي تتباهى بها دمشق في تلك اللحظة بل كانت أنثى محطمة تجلس بوهن تحت ظلال الأشجار والدموع تحفر في وجنتيها مسارات من وجع عتيق كانت تبكي طفولتها التي لم تعشها وتلك البراءة التي انتزعتها منها مخالب الحياة والظروف قبل الأوان
اقترب عدنان بخطى مثقلة بالذهول لم يجرؤ على مقاطعة قدسية حزنها لكنه قال في سره
يا يولا الآن عرفت لماذا سألتك يوما كيف تحتملين كل هذا الحسن لقد كنت تخبئين خلفه أنقاض طفلة سرقت أحلامها كنت ترممين انكساراتك بالياسمين وتغطين جراح روحك ببريق عينيك
جثا على ركبتيه بالقرب منها ولم يقل شيئا ففي حضرة الطفولة المسروقة تسقط كل القصائد أدرك عدنان في تلك الساعة أن مهمته لم تعد فقط أن يحب المرأة التي فيها بل أن يحمي الطفلة الباكية داخلها وأن كل بلاغته لن تعوضها عن دمية كسرت أو حضن فقد في زحام الغربة والضياع
بقلم
عدنان عضيبات
رواية يولا الفاصله الممدودة
Powered by Froala Editor
