الجزء الرابع رواية يولا
الجزء الرابع :رواية يولا
عامان من الصمت المقدس
مضى عامان الآن يا يولا والتقويم في غرفتي ما زال متوقفا عند لحظة رحيلك
عامان لم يطرق فيهما صوتك أبواب سمعي ولم تستيقظ فيهما أذناي لتضحكا كما كان يحدث حين كنت تملئين العالم بضحكتك
يقولون إن الزمن كفيل بالنسيان لكنهم لا يعرفون أن الحنين حين يختلط بالفقد يصبح شجرة سنديان تضرب جذورها في عمق القلب كلما اشتدت رياح الغياب
في هذين العامين كنت أقتات على ما سرقته من ضحكاتك يوما وخبأته في خزانة قلبي لكن الخزانة بدأت تفرغ والصدى بدأ يبهت والجوع العاطفي صار ينهش ما تبقى من صبري
في كل ليلة أغمض عيني وأهمس في العتمة
من معي
أنتظر صوتك المرتجف
عدنان تعال
لكن الصمت وحده كان يعود إلي كجواب ثقيل يشبه البيوت الممزقة التي حدثتيني عنها يوما
عامان وأنا أحمل طفولتك المتعبة على كتفي أحاول أن أرمم الأركان التي تكسرت فيك لكنني اكتشفت أن البيت لا يكتمل إلا بصوت ساكنه وأن القصيدة لا تولد إلا بملهمتها
غادرت مبكرا يا يولا وتركتني في منتصف الطريق شاعرا يبحث عن قافية ضائعة ومهرجا نسي كيف يبتسم منذ أن غادره جمهوره الوحيد
لقد صار الفقد تاجا من شوك أضعه كل صباح وأمشي به بين الناس أبدو ثابتا بينما أنا غريب عن نفسي تماما كما كتبت لك في أول رسائلي
الفصل الخامس
أسئلة العطر والرماد
أقف اليوم كغريب يحدق في أطلال مدينة كانت تضج بالحياة
عامان مرّا والأسئلة تنبت في صدري كما ينبت العشب البري فوق القبور
ماذا حل بك يا يولا
كيف غيّرتك الأيام التي كانت تمر علينا معا
أخبريني
هل ما زال شعرك الأحمر متمردا كما كان ذلك الشعر الذي كان يختصر حرائق قلبي في لونه
هل عاد شعرك الذي قصصته في لحظة وجع
كنت أظن أنك حين قصصته تقصين أجنحة حزني لا شعرك وحده
وأي شارع يحمل الآن خطاك المتعبة
هل يعرف العابرون أن امرأة تمر بينهم كانت وطنا من ضحكات مسروقة ويُتما مؤجلا
وحديقتنا يا يولا
هل ما زالت على حالها
أم أنها ذبلت حين أدركت أن صوتك لن يعود ليسقيها
وشجرتنا هل ما زالت واقفة
أم انحنت تحت ثقل الذكرى
هل ما زال اسمنا محفورا في لحائها ينبض بالحياة ام أن الغياب أكل الحروف كما أكل قلبي
الفقد يا يولا ليس في الغياب فقط
بل في هذه الأسئلة التي لا تجد طريقا للعودة
غادرت وتركتني أعد خصلاتك في الخيال وأرسم ملامحك على وجوه الغريبات وأسأل الشوارع والأشجار عن امرأة كانت هي الوطن كله
الفصل السادس
مقصلة اللحاء
قالت يولا والغصة تسبق صوتها نعم لقد مزقت اسمينا بأظافري ثم تابعت بصوت يشبه الاعتراف الأخير
عنق الشجرة الذي تسأل عنه لم يعد مجرد خشب وأوراق
لقد صار خارطة للندوب
الحروف التي حفرتها يوما بيدي وكنت أظنها أبدية تحولت مع الزمن إلى جروح مفتوحة
لقد أعدم الغياب أسماءنا على ذلك اللحاء
جف اللحاء وتصلب وكأن الشجرة حاولت أن تتخلص من ثقل الذكرى لكنها لم تستطع
صار الحرفان كأنهما نبضان متعبان لا يموتان ولا يعيشان
وكانت تميل برأسها ثم بكت
بقلم
عدنان عضيبات
رواية يولا دمشق عمان ٢٠٠٣
Powered by Froala Editor
