الجزء الخامس رواية يولا
الجزء الخامس:رواية يولا
صراع الهيبة والحطام
كان عدنان ويولا يعيشان في دائرة لا تنتهي من الاتفاق على عدم الاتفاق
كانت آراؤهما تتصادم وظروفهما تتشابك لكن عدنان كان يملك قانونا سريا في قلبه
مهما بلغت به العصبية ومهما أحرقه الغياب كان يخشى من صوته إذا ارتفع عليها
كان يخشى أن خدشا واحدا في صوتها قد يكسر الحسن الذي رمم به روحه أو يطفئ الفرح الذي كان يسرقه من ضحكتها
كان يبتلع غصته ويحبس صرخته في حنجرته مفضلا أن يحترق من الداخل على أن يرى لمحة انكسار في عيني يولا
كان يقول لنفسه هي مكسورة بما يكفي من ماضيها ومن منزلها المتفكك فكيف له أن يكون كسرا جديدا
الفصل الثاني والثلاثون الغيرة من الزمن الضائع
ومع مرور الأيام بدأت الغيرة تتخذ شكلا جديدا وأكثر قسوة
لم تعد غيرة من السرير أو السيجارة أو المارة فقط بل أصبحت غيرة من الماضي
كان هناك سؤال ينهش صدر عدنان كلما نظر إلى ملامحها المنهكة
لماذا لم تكوني معي منذ البداية
كان هذا السؤال جمرة لا تنطفئ
كان يغار من كل ثانية عاشتها بعيدا عنه ومن كل دمعة ذرفتها ولم يكن هو من يمسحها
ومن كل ضحكة خرجت لغيره عبر سنوات طويلة
كان يشعر بظلم كوني كيف لهذا الجمال أن يتعذب كل هذه السنين بينما هو يبحث عنه في القصائد والوجوه
كان يكتب في لحظات مناجاته
يولا أنا لا أغار من الحاضر فقط أنا أغار من طفولتك التي لم أكن بطلها ومن عمرك الذي ضاع في ظروف لم ترحمك
لو كنت معي منذ البداية لما عرف الحزن طريقا لعينيك ولما احتجت اليوم أن تطلبي مني أن نموت معا كنا سنحيا معا في بيت أركانه من ياسمين لا تمزقه ريح ولا تغيبه ظروف
الفصل الثالث والثلاثون العيش في لو
تحولت حياة عدنان إلى معركة مع كلمة لو
لو التقيا قبل عشرين عاما لو لم تسرقها الطفولة المتعبة
وبسبب هذا الحنين لماض لم يحدث كانت نار الغيرة تزداد اشتعالا مع كل غياب جديد لها
كان يرى في غيابها الحالي امتدادا لغيابها القديم ويشعر أن الظروف مجرد سارق يكمل ما بدأه الزمن
الفصل الرابع والثلاثون الحصار الأخير
تسرب الخبر إلى عائلة يولا التي لم تكن يوما وطنا لها
علموا أنها وجدت مرساها في قلب شاعر خلف الشاشات اسمه عدنان
بدأت الضغوط تحاصرها كأدوات تعذيب نفسي
قالوا لها ابتعدي عنه هذا وهم الواقع يحتاج جدرانا لا قصائد
في البداية كانت صامدة
تلجأ إلى صوته وضحكته كلما ضاقت بها الدنيا
كانت تخبره ببرود ظاهري لا تقلق هم يتحدثون وأنا أحبك
الفصل الخامس والثلاثون سبل الفراق الملتوية
لكن البيت المتفكك عرف كيف يستغل نقاط ضعفها
لم يواجهوها بالمنطق بل بالدموع والتهديد والتذكير بالماضي
نسجوا حولها شباكا من القيود وجعلوا من خروجها فرصة لقطع خيوط الاتصال
الفصل السادس والثلاثون احتراق الشاعر خلف الأسوار
أصبح عدنان يراقب من بعيد
يشعر بكل كلمة تقال لها وبكل نظرة تلاحقها
كان عاجزا وهو الذي رفض أن يرفع صوته عليها يجد نفسه يشاهد غيره يرفع صوته ليخرس صوت حبهما
كان يكتب في لياليه
يولا لقد كنت تخبريني عن منزلك المتفكك والآن هذا التفكك يحاول أن يمزقنا
هم يريدون إبعادك وأنا لا أملك إلا قلبي الذي يرفض النهاية
لا تدعيهم يسرقون ما تبقى منك
وعادت الغيرة تأكله لكن هذه المرة غيرة من السلطة التي تملكها العائلة على روحها
غيرة من قدرتهم على منعها من صوته ومن موعدهما الذي كان حياة
الفصل السابع والثلاثون تهاوي الأصنام
لم يعد الصمت نافعا
انفجرت العصبية التي كان يخفيها
بدأ يوبخها ويجلدها بالكلمات ولم يعد يفرق بين الظروف وبينها
وصل به الغضب إلى القسوة وكأنه يحاول أن يقتل ضعفه بإهانة جمالها
كان يفرغ فيها كل نيرانه كل انتظاره وكل خيباته
الفصل الثامن والثلاثون السؤال الذابح
كانت تقاطعه بصوت مخنوق
أهذا الكلام لي أنا يا عدنان
كانت هذه الجملة تصيبه في مقتل لكنه يرد بحدة اذهب من وجهي اذهب ومت
الفصل التاسع والثلاثون برزخ الضحك والبكاء
وقف عدنان تائها بين الغضب والدهشة
هل يغضب أم يبتسم
في كلماتها قسوة وفيها أيضا ظل الطفلة التي عرفها
كتب في هذيانه
يولا أخبرتني أن أذهب وأموت ولم تدركي أنني ميت منذ رفعت صوتي عليك
أنا أغلي لأنني أحبك وأتوه لأنك أنت
الفصل الأربعون هروب نحو الملاذ
بعد ساعات من الغضب اهتز هاتفه
لم تكن رسالة بل اتصال
ظهرت يولا تبكي وحدها في حديقة دمشق
صوتها يرتجف أين أنت
الفصل الحادي والأربعون ذوبان الحجر
تبخر غضبه
سألها بقلق ما بك
قالت هربت من البيت هربت من جدرانهم فقط لأسمع صوتك
الفصل الثاني والأربعون قداسة الصوت والحديقة شعر بصغره أمام هذا الحب
رآها تحت ضوء الحديقة تبكي وشعر بغيرة من الهواء الذي يلامسها
كتب لاحقا
يولا لقد شتمت غيابك ولم أعلم أنك كنت تدبرين ثورة للوصول إلي
أدركت أن صوتي كان وطنك البديل
الفصل الثالث والأربعون مقصلة الوقت
مرت الساعات ثقيلة لم تأت في موعدها جاء الصباح ولم تأت معها
حين ظهرت كانت مثقلة بقيودها فاشتعل غضبه من جديد
الفصل الرابع والأربعون كبرياء الانتظار
قال لها بمرارة
وجودك معي ليس نقصا في النساء أنا انتظرتك عشرين عاما
فكيف تطعمينني الظروف كلما اشتقت إليك
وتابع
هل أنا ملاذك أم مجرد انتظار
الفصل الخامس والأربعون انسحاب في وضح الوجع
اتخذ قراره بالابتعاد
لم يبتعد لأنه كرهها بل لأنه أحب كرامته
ردد في نفسه يمكن للإنسان أن يحب شيئا أكثر من نفسه لكنه لا يحتمل الاحتراق الدائم
الفصل السادس والأربعون شهر من القحط الروحي
غاب شهرا كاملا
ثلاثون يوما من الصمت والحنين كان يعيش صراعا بين العودة إليها وبين الحفاظ على نفسه كان يخاف عليها من كل شيء
ويتساءل إن كانت ما زالت تبكي عند موعدهما
الفصل السابع والأربعون صمت الشاعر
لم يكتب شيئا
جف الحبر في عروقه
صار يراقب الهاتف بصمت ويتمنى أن تكسر هي هذا الصمت
كان ابتعاده صرخته الأخيرة
ليعرف هل هو ملاذها الحقيقي أم مجرد محطة
ومع كل يوم يمر كانت الحكاية تقترب من نهايتها أو من بداية أخرى لا يعلمها أحد
بقلم
عدنان عضيبات
رواية يولا دمشق عمان ٢٠٠٣
Powered by Froala Editor
