الجزء السابع رواية يولا
رواية يولا الجزء السابع
Amman Damascus January 2024
وقف عدنان أمامها وقفة من أذهلته المعجزة فكف عن الكلام إلا من تنهيدة حارقة أطال النظر في تقاسيم وجهها وكأنه يقرأ كتابا مقدسا لم تفك طلاسمه بعد ثم همس بصوت يرتجف بمهابة الوجد
يا يولا
أعيذك من هذا الحسن الذي تجاوز حد الاحتمال وأسألك برب النور كيف لهذا الوجه الرقيق أن ينوء بكل هذا الثقل من الجلال وكيف لتلك الملامح النحيلة أن تحتمل وزر فتنة تخر لها القلوب ساجدة
إني أرى الجمال في وجهك ليس زينة بل هو عبء باذخ وكأن الله قد اصطفاك لتحملي أمانة البهاء التي أبت الجبال أن يحملنها أخبريني ألا يتعب جبينك من حراسة كل هذا الضياء ألا ترهق الأجفان وهي تطبق على سر الله في عينيك
أشعر يا يولا أن وجهك لا يحمل ملامح بل يحمل أقدارا فكل انحناءة في جفنك هي حكاية غرق وكل إشراقة في ثغرك هي قيامة روح إني أشفق على رقتك من صولة هذا الحسن فكيف لغصن يانع مثلك أن يحمل ثمارا من نور تزن بمقدارها الأرض ومن عليها
أنت لا تملكين الجمال يا يولا أنت مستعمرة به وكأنك خلقت لتثبتي لنا أن الحسن حين يكتمل يصبح وجعا لذيذا لا يطيقه إلا من أوتي صبرا كصبري أو قلبا كقلبك الذي يحتمل أن يكون قبلة للناظرين
ساد صمت ثقيل عبر الأسلاك الممتدة بينهما صمت لم يكن عدما بل كان احتشادا للآهات التي لم تجد مخرجا نظرت يولا إلى سؤاله المرتجف على الشاشة وأحست بأن صدأ تلك المفاتيح قد بدأ يتسرب إلى مسام روحها
أطرقت برأسها وكأن هالات النور التي وصفها عدنان قد أصبحت أثقالا من رصاص ثم بدأت أناملها ترسم الوجع ردا
يا عدنان أما سألت نفسك يوما كيف لبلبل سجين أن يصف السماء وهو لا يملك إلا قضبان قفصه
أنت تراني نسيجا من ضياء وأنا لا أرى نفسي إلا رهينة لظروف استلت خناجرها لتقطع حبال الوصل قبل أن تكتمل تحدثت عن أمانة البهاء التي أحملها لكنك لم تدر أن أمانة الواقع أشد وطأة
إن ظروفي يا عدنان ليست مجرد جدران إنها غابة من الأسلاك الشائكة كلما حاولت أن أخطو نحوك خطوة تمزق جزء من قلبي المعلق في فروعها تقول إن مفاتيحي قد صدأت وأقول لك إن الأقفال نفسها قد انصهرت من فرط القسوة حتى ما عاد هناك باب يفتح ولا أفق يتسع لغير الصبر الجميل أو الفراق المستحيل
لكن يولا وبسبب انتمائها العميق لبيئتها وواقعها السوري المثخن بالجراح ستظل تتأرجح بين إغراء العشق وبين سلطة الواجب والمرارة مما يجعل اللقاء القادم بينهما لقاء ذبائح تضحية بالذات من أجل الآخر أو تضحية بالآخر من أجل البقاء
في تلك اللحظة لم تكن الشاشة مجرد زجاج بارد بل كانت مرآة تعكس انكسار الضوء في عيني عدنان ساد صمت طويل صمت من النوع الذي يسمع فيه لغيب القلوب ضجيج وأرخى عدنان رأسه في إيماءة بطيئة لم تكن انكسارا أمام جبروت ظروفها بل كانت انحناءة السنابل أمام عاصفة يعرف أنها ستمضي
أطرق عدنان رأسه وساد صمت كأنه البرزخ بين زمنين كانت إيماءته تلك غامضة تشبه سكينة البحر قبل أن يبتلع السفن لم تكن قبولا بصدأ المفاتيح الذي تحدثت عنه ولا استسلاما لأقفالها الموصدة بل كانت وقفة المتعبد الذي يرى في البلاء اختبارا لصدق اليقين
رفع نظره إليها مجددا وكأنه يغسل وجهه بفيض ملامحها ثم قال في سره يا يولا إن كان صدأ مفاتيحك قد أعجزك عن الفتح فإن في صدري مخزنا من صبر عتق في حانات الوجع حتى صار فولاذا سأنتظر ليس لأنني أملك ترف الوقت بل لأنني أدرك أن من خلق هذا البهاء في وجهك لا يمكن أن يتركه نهبا للعتمة والأسوار
أراد عدنان في تلك اللحظة أن يمد لها خيوطا من صبره ليس بالكلمات بل بهذا الصمت المهيب الذي يقول أنا هنا حتى لو تآكلت الدروب وحتى لو صار الوصل وهما يطارده العدم كان يرمم بيأسها جسور الأمل ويحول انتظارها من حالة عجز إلى مرتبة من مراتب الصوفية حيث يصبح المحب والانتظار والوجع ثالوثا مقدسا لا ينفصم
في تلك اللحظة بلغت المرارة حنجرة عدنان حتى لم يعد للكلام متسع غضب عارم اجتاحه ليس منها بل عليها ومن تلك الجدران غير المرئية التي تبنيها حول نفسها كلما شرع لها أبواب قلبه كان حبه يدفعه للبقاء لكن كرامة الوجد فيه أبت أن يظل واقفا على عتبات تقرع بمسامير الظروف في كل مرة
نهض عدنان وفي قلبه ضجيج معركة خاسرة ونظر إلى الشاشة نظرة مودع يرى وطنه يحترق ولا يملك ماء لإطفائه همس في سره بمرارة يا يولا لقد أسرجت لك خيول صبري حتى حفيت حوافرها على صخر ظروفك وأوقدت لك أصابعي شموعا حتى ذاب اللحم ووصلت النار إلى العظم إن الحب الذي تقتله التبريرات لا يحييه الانتظار وإن الظروف التي تتكرر كالفصول الميتة ما هي إلا مقصلة ناعمة تذبح الشوق في مهده
غادر عدنان خلف الشاشة تاركا وراءه صمتا مدويا وترك يولا وحيدة تواجه حقيقة حسنها الذي لم يشفع لها أمام قسوة واقعها كان خروجه غاضبا كعاصفة ترفض أن تسكن في زجاجة وكأنه أراد أن يقول لها بصمته الأخير إني أستقيل من دور الانتظار ليس لأني كففت عن حبك بل لأن الحب بلا أفق هو انتحار بدم بارد وأنا الذي وهبتك الحياة لا أقبل أن أكون أول ضحاياك
حمل المساء معه سكونا زائفا لكن قلب عدنان كان يغلي كمرجل من القلق والندم الممتزج بالاشتياق لم يحتمل غيابه الذي أعلنه غضبا فعاد يفتش عنها في زوايا الحروف
في سكون المساء الذي يضج بذكريات غيابها كتب لها كلمتين تقطران لهفة وخوفا أين أنت مرت الساعة كأنها دهر من التيه كان فيها عدنان يعد نبضات قلبه المتعثرة حتى انبلج ضوء الرد على الشاشة باردا باهتا كشمس الخريف أنا هنا كنت خارج المنزل مع عائلتي ولم أستطع الرد عليك
هنا انفجر بركان السنين في صدر عدنان ولم تعد الكلمات تتسع لحجم الوجيعة فكتب بمداد الروح التي أتعبها الركض خلف السراب إلى متى يا يولا إلى متى سأظل أنا القابع في دهاليز الانتظار رهينة لظروفك التي ما انفكت تلتهم أعمارنا
عشرون عاما وأنا أصلي في محراب غيابك أنتظر معجزة تكسر هذه الأسوار عشرون عاما وأنا أقتات على فتات اللحظات التي تمنحها لي ظروفك خلسة كأني غريب يطرق باب وطنه فلا يفتح له ألا يشفع لي هذا العمر الذي تبدد على أرصفة انتظارك
خيم صمت جنائزي على المحادثة صمت شعرت فيه يولا بوطأة الجريمة التي يرتكبها الزمن بحقهما أرادت أن تمنحه أملا أن تهديه وعدا لكن قيودها كانت أفتك من خيالها فلم تجد إلا صدقا جارحا لتقوله لا أعرف
وقفت الكلمة لا أعرف كحد السيف بينهما فهي لم تكن مجرد إجابة بل كانت اعترافا بالعجز الكلي في تلك اللحظة أدرك عدنان أن يولا ليست سجينة الظروف فحسب بل هي سجينة الاستسلام لها أيضا ذوت الكلمات في عروقه وأحس بأن العشرين عاما لم تكن رحلة حب بل كانت وقوفا طويلا أمام حائط مبكى لا يرتد منه سوى صدى أنينه
بقلم
عدنان عضيبات
Amman Damascus January 2024
Powered by Froala Editor
