الجزء الثامن رواية يولا
الفصل الثامن:رواية يولا
Amman July 15/ 2024
حبيبتي يولا
إن رجائي في نسيانك يشبه رجاء العجوز في استرجاع صوته الأول حين نطق بـ أمي محاولة لاستعادة براءة فقدت في زحام العمر وعودة مستحيلة لنقطة التكوين التي لا تتكرر
أتذكر جيدا ذلك اليوم كان عيد ميلادك العالم من حولك كان غارقا في ذهوله ونسيانه فلم تكن تفاصيل حياتك تمر في ذاكرة أحد ولا تسكن مخيلة عابر كنت أنا الوحيد الذي يحمل تاريخك كصلاة يومية والوحيد الذي أضاء قنديل التذكر في عتمة التجاهل التي أحاطت بك
أرسلت لك قصيدتي وكانت حروفها مبللة بشظايا غضبنا العاصف كتبتها بقلب يرتجف بين سطوة الكبرياء ولوعة الحب وضعت فيها روحي على كف عبارة وانتظرت رأيت علامة القراءة ترتسم كجرح على شاشة الهاتف شعرت بنظراتك تخترق الكلمات لكن صمتك كان أطول من ليل المتعبين
لم تردي كنت أعلم أن سحابة الغضب التي تلبدت في سماء قلبك حينها كانت أثقل من أن تسمح لرد بالهطول كان صمتك عقابا شرسا كأنك أردت أن تقولي لي إن التذكر وحده لا يشفع للغضبان وإن الجرح حين يأتي من الوحيد الذي يعرفنا يكون وقعه أشد وأقسى بقيت واقفا في شرفة الانتظار أحرس وفائي لذكرى ميلادك وأتجرع مرارة الخيبة لأنني كنت الأول في التذكر والأخير في نيل الرضا
توالت رسائل عدنان كزفرات متلاحقة في فضاء مسدود كان يرمي بقلبه في بريدها رسالة تلو أخرى لكنها كانت تضيع في دهاليز صمتها المطبق كان يتأمل الشاشة بانتظار وميض يرد له الروح ولكن لا شيء سوى الفراغ في تلك اللحظة وتحت وطأة هذا التجاهل الذي يفتك بالصبر استجمع ما تبقى من كبريائه الجريح وكتب لها
عزيزتي يولا
إن الزمن ليس إلا ألعوبة باهتة يا مصيبتي الجميلة وإلا فكيف يطاوعنا هذا المنطق الأعرج حين يغدو الوقت في حضورك حياة وينقلب في غيابك إلى موت مؤجل بلغة الأيام المريرة
يزعمون أننا نكبر وأن السنين تمضي بنا لكنهم لا يعلمون أننا لم نغادر أبدا تلك اللحظة القاسية التي افترقنا فيها لقد تسمرنا هناك خلف سياج الوداع نراقب أعمارنا وهي تذوي أي عبث هذا الذي يسمح لنا باللقاء بعد عمرين من التيه لتكوني أنت كما كنت دائما أيقونة للثبات والجمال وأكون أنا كما لم أعد شاحبا مكسورا وغريبا حتى عن نفسي
يقولون إن النسيان اختراع عبقري وربما يكون كذلك لكنه خلق فقط لأولئك الذين يعبرون الحياة بخفة لمن لا يملكون شيئا يندمون عليه أو يبكون فقده أما أنا الغارق في تفاصيلك فأنا أحبك بملء هذا الوجع ولأنني أحبك فإني أرفض النسيان ولا أريد أن أنسى ولن أنسى ففي ذاكرتي معك تكمن هويتي الأخيرة
ثم وضع عدنان القلم وكأنه ألقى بآخر سلاح في معركته الخاسرة ضد النسيان وبقي ينتظر أن تكسر يولا قيد صمتها
استند عدنان بظهره إلى جدار غرفته البارد في عمان والقلق ينهش أطرافه كان في تلك الليلة يخوض معركته الخاصة غارقا حتى أذنيه في ترميم القصيدة التي نذرها لميلادها يزن الحروف بميزان الوجع ويفتش في قواميس اللغة عما يليق بيولا التي لا تشبه أحدا كان يسابق الوقت ليثبت لها أنه الذاكرة التي لا تخون والقلب الذي لا يغلبه الخصام
على الجانب الآخر كانت يولا غارقة في عالم مختلف تماما كانت تمارس تجاهلها الطفولي باحترافية موجعة متحصنة بصمتها وكأنه درعها الأخير كانت تلمس رسائله بطرف عينيها ثم تشيح بنظرها وكأنها تختبر مدى قدرة قلبه على الاحتمال أو ربما كانت تخبئ خلف ذلك التجاهل ضمة خفية شوقا مكبوتا ترفض أن تمنحه صك الاعتراف
بينهما كانت المسافة تضيق بالكلمات وتتسع بالصمت هو يحترق ليكتب وهي تتجمد لتقاوم كان يظن أنه يكتب قصيدة ميلاد ولم يدرك أنه كان يكتب وثيقة انكساره أمام طفولتها العبثية التي قررت في تلك الليلة أن تكون أقسى من الغياب نفسه
في تلك الساعة الحرجة حين يهدأ ضجيج العالم ولا يتبقى سوى أنين الأفكار كان عدنان يصارع الفراغ في غرفته وبأصابع أرهقها الحنين خط رسالته التي تجاوزت حدود العتاب لتصبح اعترافا بالهزيمة أمام حضورها الطاغي فكتب
عزيزتي يولا
أنت لا تمرين في خاطري كباقي البشر بل تهطلين في ذهني كعاصفة ناعمة رقيقة في ملمسها لكنها مدمرة في أثرها أنت ذلك الطيف الذي مر سريعا كالحلم ثم ترك خلفه في روحي فوضى لا تقبل الترتيب وخرابا جميلا لا يرممه سواك
بعدك يا يولا فقدت الأشياء توازنها وبات كل ما حولي ينكسر بصمت مريب حتى ضلوعي التي كانت شامخة صارت لا تجيد الانحناء إلا نحوك كأنها خلقت لتكون محرابا لذكراك
وها أنا ذا أقف وحيدا على رصيف الوقت البارد أتشبث بحضورك الغائب كغريق يمسك بالسراب وأتلظى بوجع يسكنني أعرف يقينا أنه لا يبرأ ولا يشفى أمد كفي نحو طيفك تلك الكف التي نسيت منذ رحيلك معنى الدفء وضاع منها شكل الامتلاء فصارت خالية إلا من رجفة الانتظار
طوى عدنان الرسالة بقلب يرجو المعجزة بينما كانت عمان الغارقة في نومها تشهد على ولادة نص جديد من نصوص يولا التي لا تنتهي
ومع خيوط الفجر الأولى التي تسللت إلى نوافذ عمان انكسر جدار الصمت الذي شيده التجاهل الطفولي ليلة أمس ظهرت كلمات يولا على الشاشة كأنها لم تترك خلفها حطاما وكتبت ببرود لا يشبه الحريق الذي أشعلته صباح الخير حبيبي
تلقى عدنان الكلمات بقلب لدغ من جحر الانتظار مرارا فلم يعد للكلمات المعسولة مفعول السحر القديم لم يشعر بالانتصار لعودتها بل شعر بمرارة الاستخفاف بوجعه فجاء رده حادا كالمدية ومثقلا بخيبة الأديب
عن أي حب وعن أي حبيب تتحدثين يا يولا إن الحب الذي تسكبينه الآن في قالب صباح الخير ليس كما تدعين ولا كما أعهده في شريعة الأوفياء الحب ليس قميصا نرتديه حين نشاء ونخلعه حين يشتد بنا العناد الحب هو ذلك الثبات في وجه العاصفة وليس هذا الغياب الذي يتركني نهبا للظنون
ثم أردف بكلمات حملت قسوة الأب وعنفوان العاشق المجروح
اذهبي اذهبي وعودي صغيرة من جديد لعلك في طفولتك القادمة تتعلمين أبجدية الانتماء وتدركين ما هو الحب حقا فالحب يا صغيرة لا يسكن القلوب التي تهوى التجربة بالصمت ولا يبنى على أنقاض رجل كان ذنبه الوحيد أنه تذكرك حين نسي الجميع
ساد الصمت مرة أخرى لكنه هذه المرة لم يكن صمت التجاهل من طرفها بل كان صمت الذهول صمت يولا التي لم تعتد من عدنان هذا الزئير الجريح
مر ذلك اليوم كأنه دهر كامل تركها عدنان تتخبط في صدى كلماته القاسية وغاب هو في زحام أفكاره يرقب الفجر بقلب يغلي ومع إشراق شمس اليوم التالي كان قد اتخذ قراره بأن يضع حدا لهذا التيه فأرسل إليها رسالة مشحونة بالتحذير واللوعة في آن واحد
يولا
إياك أن يغرك هذا الفيض من الحنين فتظني أنك المرأة الوحيدة التي تسكن هذا الكون فالنساء كثيرات والجمال في الأرض مبثوث في كل وجه لكن مأساتك ومأساتي معا تكمن في أنك أنت المرأة الوحيدة التي استلها قلبي من بين الزحام واختارها لتكون قدره فلا تظني أن صبري عليك هو ضعف أو أن رؤيتي لك بهذا العلو تمنحك الحق في التمادي
إياك أن تراني كثيرا عليك أو أن تعتقدي أن احتمالي لصدودك صك مفتوح للوجع فالحذر كل الحذر من قلب يحب بصدق لأنه إذا انكسر استحال بركانا لا يبقي ولا يذر أخبرك والصدق مر إياك والتمادي وإلا فإنك ستستيقظين ذات صباح على وقع خبر يمزق أحلامك حين تجدينني قد قررت أن أنتقم منك بامرأة أخرى لا لأحبها بل لأقتلك بها في داخلي
كانت كلمات عدنان هذه المرة بمثابة إعلان حرب عاطفية صرخة رجل يحاول استعادة توازنه قبل أن يغرق تماما في بحر تجاهلها
سكنت يولا خلف شاشتها لساعات كان صمتها هذه المرة ثقيلا كأنه هدوء ما قبل العاصفة أو ذهول الصدمة التي لم تتوقعها من عدنانها المسالم ظلت حروفه تحرق كبرياءها حتى استجمعت شتات أمرها وأرسلت سؤالا يقطر عتابا ودهشة
أهذا الكلام لي أنا يا عدنان
كان سؤالا يحمل في طياته إنكارا وكأنها لا تصدق أن ذلك القلب الذي طالما احتواها بكلمات الغزل هو ذاته الذي يهددها الآن بنار الانتقام لكن عدنان الذي كان قد وصل إلى مرحلة من الاحتراق لا تقبل الرماد أجابها بيقين حاد
لك وليتعداك أيضا
كانت هذه الجملة بمثابة رصاصة الرحمة على أوهامها بأنها فوق الحساب لقد أخبرها باختصار بليغ أن كلماته لم تعد مجرد رسالة عتاب بل هي صرخة كرامة جرحت وقرار لا رجعة فيه إن استمرت في غيها أراد أن يقول لها إن دائرة الوجع التي رسمتها حوله قد اتسعت الآن لتشملها هي أيضا وأن نيران غضبه لن تتوقف عند حدود قلبها بل ستتجاوزها لتحرق كل ما كان يجمعهما إن لم تدرك حجم الفقد القادم
بهذا الرد وضع عدنان الكرة في ملعب يولا فإما أن تعود لرشدها وتدرك أن الحب ليس تجاهلا طفوليا أو أن تختار المضي في عنادها لتواجه عدنانا آخر لم تعرفه من قبل
بقلم
عدنان عضيبات
رواية يولا دمشق عمان ٢٠٠٣
Powered by Froala Editor
