الجزء العاشر رواية يولا
الجزء العاشر من رواية يولا
13 ابريل عمان
تسللت خيوط الفجر الأولى لتجدني عالقاً في فخ تلك الرسالة
يولا التي لا تأتي إلا لتربك توازني كتبت وكأنها تنزف كلمات
لم أستطع النوم يا عدنان فكلما أسقطت رأسي على الوسادة التصق وجهك بمخيلتي وكلما أسدلت خصلات شعري لأواري طيفك عن عيني شعرت بخصلاتي تحتضنك من جديد فماذا أفعل
أنا لست سعيدة لم أكن يوماً ممتنة لهذا العمر الذي أحياه
وقفت أمام اعترافاتها صامتاً أراقب شاشة الهاتف وهي تضيء برسائلها المتلاحقة كشهب تحترق قبل أن تصل إلى الأرض وفجأة خيم صمت موحش انقطعت الرسائل وبترت الكلمات في منتصف الوجع
حاولت مراراً أن أستدرج صوتها المكتوب أرسلت لها نبضي في رسائل لم تجد مجيباً فقد اختفت كعادتها السيئة تمارس الغياب كطقس مقدس وتتركني خلفها أرمم دمار ما تركته في روحي لم أتمالك نفسي فكتبت لها بمرارة المشتاق المخذول
لماذا أتيت لترحلي مجدداً ولماذا من بين كل عابري هذا العالم كان علينا أن نلتقي لنصنع كل هذا الشتات
مضت الساعات وأنا أنتظر أراقب ذلك الفراغ الذي خلفته متسائلاً هل يولا امرأة من لحم ودم أم أنها مجرد قصيدة هاربة كلما حاولت وضع نقطة في آخرها تحولت هي إلى علامة استفهام تغرز أنيابها في صدري
مرت الساعات والرسالة معلقة في فضاء الغياب لا هي وصلت لتمحي الحيرة ولا هي تلاشت لأكف عن الانتظار كانت يولا بارعة في ترك الأبواب مواربة لا تطرقها لتدخل ولا تغلقها لترحل بسلام
وفي ليلة تشبه ليلة اختفائها وبينما كنت غارقاً في تأمل دخان سيجارتي الذي يرسم ملامحها في سقف الغرفة اهتز الهاتف لم تكن رسالة عادية كانت يولا تعود بصورة باهتة ليدها وهي تمسك بوردة يابسة وكلمات قليلة كأنها كتبت بدمع لا بحبر
التقينا لنعرف أننا لسنا موتى يا عدنان التقينا لنشعر بالوجع فالوجع هو الدليل الوحيد المتبقي على أن قلوبنا لا تزال تنبض أنا لم أختف لأنني أهوى الغياب بل لأن حضورك في دمي بات يهدد بقائي في واقعي الذي أمقته
سقطت الكلمات على روحي كالمطر البارد على جرح مفتوح أدركت حينها أن يولا ليست امرأة أبحث عنها في الزحام بل هي قدر جميل ومرعب في آن واحد هي تلك الفجوة بين ما نتمنى وما نعيش والسر الذي لا يقال إلا في ساعات الفجر
أطفأت سيجارتي ونظرت إلى النافذة حيث بدأت خيوط الشمس تمزق عتمة الليل وقلت في سري
ليكن إذا كان الثمن هو هذا التمزق فأنا راض باللقاء ولو كان وهماً
حبست أنفاسي لثوان وكان الصمت في غرفتي يضج بصدى كلماتها الأخيرة شعرت بطعنة في كبريائي وبأن هذا الغياب المتكرر لم يعد دلالاً بل صار استنزافاً لروح لم تعد تحتمل
أمسكت بهاتفي وبأصابع ترتجف من الغضب والقهر معاً كتبت لها رسالة كانت بمثابة الرصاصة الأخيرة
يولا تقولين إنك لست ممتنة لما تعيشين وإنك لست سعيدة في حياتك حسناً اسمعي مني هذه الحقيقة المرة
أنا أيضاً
لست ممتناً لذلك اليوم الذي قادني فيه القدر إليك ولا ممتن لمعرفتي بامرأة جبانة مثلك تخاف من المواجهة وتتقن فن الهرب كلما اقتربت من ملامسة حزنها
توقفت قليلاً ثم أتبعتها بكلمات كانت تخرج من أعماق جرحي
ومن قال لك إنني سعيد بك لا والله ما كنت لي يوماً مصدراً للفرح بل كنت غصة في الحلق وقلقاً يسكن الأرق
إن كنت تظنين أن غيابك يكسرني فقد أخطأت فما قيمة حضور يشبه العدم
أرسلت الرسالة وألقيت بالهاتف بعيداً كأنني أتخلص من جمرة في يدي كان صدري يعلو ويهبط وشعرت لأول مرة بمرارة الصدق الذي يخرج في وقت الخصام
كنت أعلم في داخلي أنني أكذب في بعض قولي لكن وجع الانتظار جعلني أحول الحب إلى نصل حاد أريد أن أوجعها به كما أوجعتني
استندت إلى جدار غرفتي البارد أراقب اللاشيء وأتساءل هل سيقطع هذا الرد خيط الود الأخير بيننا
أم أن الجبناء لا يرحلون إلا حين يشعرون بأنهم أصبحوا مكشوفين تماماً
مرت تلك الليلة كأنها دهر تركت فيها كلماتي القاسية معلقة في سقف انتظارها ونمت على أمل أن يوقظني رحيلها النهائي لكن يولا كانت تجيد اللعب على أوتار الروح بطريقة لا يتقنها غيرها
مع أول خيط من ضياء الفجر اهتز الهاتف لم تكن تعتذر ولم تكن تبرر بل كتبت ببرود يذيب الصخر
صباح الخير حبيبي
هكذا ببساطة وكأنها لم تتركني بالأمس أنزف حيرة وكأنها لم تقرأ كلماتي التي وصفتها بالجبن وكأن الصمت الذي خيم بيننا كان مجرد فاصل موسيقي في أغنية طويلة
شعرت ببركان من الغيظ يغلي في صدري كيف لها أن تمارس هذا العبث بمشاعري كيف تمحو بكلمة حبيبي مرارة الليالي التي قضاها قلبي في التساؤل أمسكت بهاتفي وكتبت لها رداً يقطر سخرية وألماً
عن أي حب تتحدثين يا يولا
أتبعتها بنبضات متسارعة من الحروف
أهو الحب الذي يظهر مع تباشير الصباح ويتبخر مع غروب الشمس أم هو الحب الذي يمنحك الحق في تمزيقي ثم العودة لقول صباح الخير وكأن شيئاً لم يكن
الحب يا يولا ليس معطفاً ترتدينه حين تشعرين ببرد الوحدة وتخلعينه حين يضيق بك الواقع الحب الذي أعرفه لا يسكن في قلوب الجبناء الذين يهربون من ظلالهم
رميت الهاتف وانتظرت كان سؤالي عن أي حب تتحدثين ليس مجرد استفسار بل كان صرخة ذبيح يطالب بتعريف جديد للعلاقة التي أهلكت روحه
في تلك اللحظة ومع صدى سؤالها الباهت شعرت بشيء يتحطم في أعماقي للمرة الأخيرة لم يكن تحطم زجاج بل كان تحطم القيد الذي يربطني بظلها بدأ ذلك القرار الذي حبسته طويلاً خلف قضبان التردد يدق في قلبي بعنف كأنه ناقوس خطر يعلن النهاية
لقد استنزفت يولا كل حصون صبري وأدركت أن الاستمرار مع امرأة تمتهن القتل العاطفي هو انتحار بطيء هي تأتي لتبذر الأمل في صدري ثم تمضي لتتركه يبساً تمارس جبنها خلف شاشة الهاتف وتتركني أواجه وحوش غيابها وحيداً
أخذت نفساً عميقاً وشعرت ببرودة القرار تسري في عروقي كتبت لها بكلمات تشبه حد السيف كلمات لم تخرج من حبري بل من بقايا كرامتي
يولا كفى لقد كان حضورك مكلفاً جداً وغيابك كان يقتطع في كل مرة قطعة من روحي لم أعد أملك ما أقدمه لامرأة تأتي لتغرس نصلها في قلبي ثم تمضي امرأة تخشى الحقيقة وتقتات على الهروب اليوم أحرر نفسي منك وأغلق هذا الباب الذي لم يأت منه إلا ريح الشتات
وضعت نقطة النهاية ليس فقط في آخر الجملة بل في آخر فصل من فصول عذابي معها شعرت حينها بوجع مرير لكنه وجع الخلاص فالرحيل عن امرأة جبانة هو أولى خطوات الشجاعة التي افتقدتها منذ عرفتها
لم أنتظر رداً ولم أراقب شارة جاري الكتابة بل قمت بحظر كل السبل التي قد تعيدها إلى عالمي معلناً أن عدنان الذي كان يقتله الانتظار قد مات وولد مكانه رجل قرر أن يحب نفسه أكثر مما أحب وهماً اسمه يولا
لكنني وكعادتي التي أدمنتها وجدت أصابعي تخون قراري وقلبي يتمرد على كرامتي فكلما عزمت على الرحيل عدت أدراجي ليزداد صبري قبحاً وألماً ينهش خاصرتي ويستفز كبريائي الجريح
كنت أعود في كل مرة لأشتري بهذا الصبر المر بقايا حب يلاحقني كظلي حب أعرف يقيناً أنه يقتادني إلى حتفي ومع ذلك كنت أمضي نحوه بملء إرادتي
كان صبري هو الثمن الباهظ الذي أدفعه مقابل وهم جميل وكأنني أقامر بعمري في سبيل لحظة واحدة من وصل كاذب
نظرت إلى رسالتها صباح الخير حبيبي وشعرت بأنني ذلك المهزوم الذي يسلم سلاحه عند أول بادرة سلم رغم علمه أن الحرب لم تنته بعد كتبت لها والكلمات تغص في حنجرتي
أعود يا يولا لا لأنني نسيت بل لأنني عاجز عن تذكر كيف كانت حياتي قبل أن يلوثها حبك الجبان أعود لأشتري بصبري بضع دقائق من الوهم فما أصعب أن يكون دواء المرء هو نفسه الداء الذي يقتله
وهكذا سقطت حصون القرار مرة أخرى وبقيت عالقاً في دائرة مفرغة هي تبرع في الغياب وأنا أبرع في انتظار يذل الروح ويستنزف العمر
كنت أدرك يقيناً وفي كل مرة أنني المغامر الوحيد الذي يدخل مقامرة خاسرة بوعي كامل كنت كمن يلقي بقلبه في بئر عميقة آملاً أن يسمع صدى صوتها فلا يأتيه إلا الصمت كنت الطرف الذي يبني الجسور وهي المرأة التي لا تمتهن إلا هدمها بالهروب واللامبالاة
لقد كانت يولا بارعة في صمتها متفوقة في قدرتها على التخلي وكأن مشاعري بالنسبة لها مجرد محطة عابرة ترتاح فيها من عناء حياتها التي لا تحبها ثم تمضي دون أن تلتفت للدمار الذي خلفته وراءها
قلت لنفسي بمرارة
أنا المغامر الذي يشتري الريح وأنت المرأة التي لا تعرف كيف تحافظ على وطن أهداها إياه رجل صبور أنت تفرين من الحب كما يفر الغريب من ليل موحش وأنا لا أزال واقفاً على الأطلال أحرس بقايا خيبتي منك
كان وجعي يكمن في أنني أعرف الحقيقة وأرى اللامبالاة في عينيها ومع ذلك كنت أختار أن أكون الخاسر الوحيد بامتياز لأنني في أعماقي كنت أفضل الموت في حكايتها على الحياة في حكاية أخرى لا توجد فيها يولا
لقد صار صبري قبحاً وصار حبي ذلاً وصارت هي الهاربة المحترفة التي تتركني دائماً في منتصف الطريق أتساءل هل كانت تحبني فعلاً أم أنها كانت تحب فكرة أن هناك من ينتظرها دائماً مهما فعلت
كان قرار الذهاب بلا عودة هو تلك الورقة المطوية التي أتحسسها في جيب بنطالي كلما ضاقت بي السبل القرار الذي كنت أدخره كطلقة أخيرة لرحلة صيد فاشلة
كنت أعرف يقيناً أن اللحظة ستأتي وأن هذا القرار سأخرجه يوماً من جيبي لأضعه أمام عينيها كحقيقة أخيرة لا تقبل التأويل
كنت أمشي في طرقات غياباتها المتكررة ويدي تعبث بتلك الورقة في جيبي أستمد منها قوة وهمية بأنني قادر على الرحيل في أي لحظة
كنت أعرف أن يولا لم تترك لي خياراً آخر فإما أن أبقى أشتري بؤسي بصبري وإما أن أستخرج ذلك القرار وأمضي نحو المجهول بعيداً عن شمسها الحارقة
قلت في سري وأنا أتلمس حواف القرار
سيأتي ذلك الصباح يا يولا الصباح الذي لن أكتب فيه عن أي حب تتحدثين بل لن أكتب فيه أصلاً سأخرج هذا القرار من جيبي وأبسطه فوق طاولة ذكرياتنا وأمشي دون أن ألتفت خلفي
كنت تعرفين أنني أحمله وكنت أعرف أنني سأستخدمه لكننا كلينا كنا نؤجل النهاية أنت بجبنك وأنا بصبري القبيح
لقد كان القرار ينمو في جيبي كما ينمو الشوك في حقل مهجور ومع كل رسالة صباح خير باردة منها كان القرار يصبح أكثر حدة وقسوة حتى صار أثقل من أن تحتمله جيوبي وأكبر من أن تخفيه كرامتي المنهكة
بقلم
عدنان عضيبات
دمشق عمان رواية يولا2023
Powered by Froala Editor
