في صبيحة يوم قائظ من أيام أغسطس آب ( اللهّاب ) كنتُ أسحب خلفي في المطار حقيبةً ممتلئة بالملابس والقليل من الكتب ؛ ومعها كنتُ أحمل في رأسي الكثير من النشوة ، والقليل من النوم ، مع مزيج يختلط في صدري من التشوق والتخوف .

ركبتُ الطائرة ، فصحبتني عادة قبيحة لا أستطيع التخلص منها في رحلاتي الجوية ؛ وهي أني أُشارك قائد الطائرة سياقتها !

إنّه الخوف من الطائرة – مع أن أمنيتي في الصغر أن أكون طياراً -  !! وهو الأمر الذي يجعلني أحرك قدميّ ويديّ باستمرار ؛ في محاولات بائسة مني لكبح الفرامل أو إدارة مقود الطائرة إلى حيث تكون السلامة والنجاة - التي حتماً كان لا يدركها هذا الكابتن الجاهل !

ينتابني الرعب في الطائرة أولَ الإقلاع ، ويذهب هذا الخوف تدريجياً مع أخذ الطائرة لمسارها الجوي ، ولكنه في الواقع أمانٌ نفسي متقطع ؛ فما أن تأخذ الطائرة مطباً جوياً أو تُصدرَ من بطنها صوتاً لا أفهم ترجمته - إلاّ وتعاودني مرحلة التوتر والتحفز .

أقنعني أحد الأصدقاء ذات مرة بأنّ ثمة مهدئات نفسية لهذا الخوف ؛ مثل قلّة الحوادث الجوية عند مقارنتها بحوادث السيارات ، ومثل أن طعم الموت في جُرم كبير هو كطعمه في جُرم صغير !

أخبرتُ صاحبي بسخافة رأيه ، وتفاهة ظنه ؛ لأنّ مصدر الخوف في الطائرة ليس هو الموت فقط وإنما هو أيضاً مواجهته ؛ ففي السيارة أنت لا تأخذُ أكثر من خمس ثوان ليصلك الموت ، ولكنك في الطائرة قد تستغرق عدة دقائق إلى أن تنشب بك منيته ، وبهذا فأنت بحالك التي قد ذكرناها تصير مثل أولئك المحكوم عليهم بالقصاص ، وربما هو المنظر أشد بشاعةً وشناعةً من ذلك !

اشمأز صاحبي مما قلته ، ثم أردف قائلاً : تباً لك ؛ فقد أردت راحتك فجئتني بتعبك ، وطمِعتُ بأمانِكَ فجئتني بخوفك ، فابق إذن على مرضك ، ولأبق أنا على عافيتي !!

على أية حال ففي رحلتي هذه إلى لندن ، وبعد أن اطمأننتُ تماماً لمهارة قائد الطائرة الفنيةِ ، وسلامة قواه العقلية ؛ فإني حينئذ قد خلدتُ إلى نومٍ عميق جزاءَ إرهاقٍ كان لازمني ليلة السفر ، وبعدها لم أفق إلاّ والطائرة فوق فرنسا الخضراء ، وهذا يعني بأنّه لم يتبقَّ سوى القليل لأستنشقَ هواء لندن العليل !

يتـبع فيما بعد  ..

آيــدن .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصورة أدناه لجامعة أكسفورد ..