ميلاد جديد ✨
اعلم ـ رحمك الله ـ أنّ للعبد ميلادين: ميلاد به يخرج إلى الدنيا جسدًا، وميلاد به يخرج إلى الآخرة قلبًا.. فأمّا الأول فمشهودٌ للخلق، وأمّا الثاني فمشهودٌ للحقّ، ولا يناله إلا من صدق في الطلب، وصحَّ عزمه، وأعرض عن مألوف هواه..
وإنّ شهر رمضان مِفصلٌ بين حالين:
حال غفلةٍ طال أمدها حتى استوحش القلب من نور الطاعة،
وحال يقظةٍ تعود به إلى أصله الذي فُطر عليه، فهو شهرٌ تُصفَّد فيه الشياطين، وتُفتح فيه أبواب الجنان، غير أنّ أعظم ما يُفتح فيه بابُ القلب لمن أراد الله به خيرًا..
فانظر في نفسك قبل أن تنظر في يومك، فإنّ فساد الأعمال من فساد الأصول، وإذا صلح الأصل استقامت الفروع؛
كم من صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطش، وكم من قائمٍ حظُّه من قيامه السهر والتعب، لأنّ القلب لم يصم عمّا حرّم الله، ولم يقم بين يديه قيام افتقارٍ وخضوع
وإنّا في زمانٍ استحكمت فيه الغفلة، واستُحسنت فيه المنكرات، حتى صار المعروف غريبًا، وأهله أغرب..!
فطوبى لمن حفظ قلبه في زمن الفتن، وأمسك عليه سمعه وبصره ولسانه، وعلم أنّ أعظم الجهاد جهاد النفس؛ فإنّها إن لم تُشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تُروّضها بالطاعة قادتك إلى المعصية.
فليكن لك في هذا الشهر ميلادٌ آخر؛
ميلادُ توبةٍ نصوحٍ تمحو أثر التفريط،
وميلادُ علمٍ يرفع عنك ظلمة الجهل،
وميلادُ عبوديةٍ تُخرجك من رقِّ الهوى إلى حرية العبودية لله..
ولا تظننّ أنّ الأمر بكثرة العمل، بل بحسن القصد وصدق التوجّه والطلب؛ فربّ عملٍ صغيرٍ كبُر بالنية، وربّ عملٍ كبيرٍ محق بالرياء..
ابدأ بإصلاح فرائضك؛ فهي أساس البنيان، ثمّ أتبِعها بالنوافل فإنّها سياجها، وأصلح سريرتك قبل علانيتك، فإنّ الله ينظر إلى القلوب قبل الصور، واجعل لك خبيئةً بينك وبين ربّك، فإنّ العبد لا يزال بخيرٍ ما كان له سرٌّ من عملٍ لا يعلمه الناس
وتذكّر أنّ القلب إذا لم يُجدد عهده بالله قسا، وإذا قسا لم تنفع فيه العظات والعبر!
وتجديد العهد يكون بكثرة الذكر، ودوام المحاسبة، واستحضار الوقوف بين يدي الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم..
فإن أردت ميلادًا صادقًا، فابدأ بهدم ما بنيت من عادة السوء، ثم ابنِ على التقوى بنيانك الجديد، واصبر؛ فإنّ النفس كالدابة الحرون، إن أرخيت لها العنان جمحت، وإن أحكمت قيادها استقامت.
هذا شهرٌ يُعرض عليك فيه بابُ القرب، فلا تكن من المعرضين..
فإن فاتك خيره، فمتى؟
وإن لم تُصلح قلبك فيه، ففي أيّ حينٍ تُصلحه؟
نسأل الله أن يجعل رمضان ميلادًا جديدًا لقلوبنا ، وسببًا في يقظة أرواحنا، وأن لا يكون حظّنا منه حظ الأخسرين، وأن يجعلنا فيه من الصائمين القائمين المغتنمين ، وفي ختامه من المأجورين الشاكرين ..
٢٩ / ٠٨ / ١٤٤٧هـ
