شيخ التسعين،،
في مدينةٍ تضجّ بالحياة من أطرافها إلى أطرافها، بين طرقٍ لا تعرف السكون وأضواءٍ لا تنام، قصدتُ حيًّا هادئًا يختبئ بين صخب الرياض كواحةٍ من الطمأنينة.
في ذلك الحيّ مسجدٌ صغير، لا يلفت النظر ببنائه، غير أن المارّ أمامه يشعر أن السكينة اتخذت فيه مقامًا لا تبرحه، كأنها وُلدت بين جدرانه..
دخل شيخٌ جليل، جاوز الخامسة والتسعين من عمره، يحمل في ملامحه مهابةَ العُمر ووقارَ العلم، كان يمشي بخطًى متئدة، متكئًا على عصاه التي تشبهه في نحالتها وثباتها..
كان المشهد مهيبًا؛ ليس في الأعين وحدها، بل في الأرواح، وكأن حضوره يذكّر الناس بأن البركة لا تُقاس بطول السنين، بل بما امتلأت به الأرواح من علمٍ وعملٍ وإخلاص..
أقيمت الصلاة واصطفّ المصلّون، ووضع المؤذن خلف أقدام الشيخ الجليل “مركى” يستند إليه..
رفع الشيخ يديه وكبّر، فاهتزّ في القلب شيءٌ لا يُوصَف؛ كأن التكبيرة خرجت من عمق السنين وصفاء اليقين ..
استفتح بالفاتحة، فشعرت أني أسمعها لأول مرة، ثم قرأ سورة النازعات، فكان لكل آية وقعٌ يفوق الوصف، ولكل سكتةٍ بين الآيات معنى يفيض بالمواعظ..!
تذكّرتُ مقولة العلماء: “السيف بضاربه”، التي يُضرب بها المثل في أثر الإيمان والخشوع والنية، فأدركتُ أن ما يُحدث الأثر ليس جمال الصوت ولا طول المقام، بل الصدق الذي وقر في القلب..
ذلك الشيخ لم يكن يقرأ القرآن فحسب، بل كان القرآن يتجلّى على لسانه، انعكاسًا من قلبٍ امتلأ به حتى فاض..
راقبته في ركوعه وسجوده، في سكونه وطمأنينته، فرأيت الصلاة بصورة أخرى ليست كما نؤديها اليوم..
تذكّرت حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: “كنتُ أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ…”، وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “لقد ذكّرنا عليّ بن أبي طالب صلاةً كنا نصليها مع رسول الله، إما نسيناها وإما تركناها عمدًا…”
فقلت في نفسي: لو رأى أبو موسى صلاتنا اليوم، أكان سيعرفها؟ أم أنها باتت قريبةَ الشكل، بعيدةَ الروح؟
انتهت الصلاة، فجلس الشيخ على متكئه، واستدار إلينا ببصرٍ غاب نوره، وبصيرةٍ ما زالت تضيء دربه ومن حوله..
تأملت وجهه، فإذا فيه تجاعيدٌ نقشتها السنون وسمعت حديثه فلم يكن فيه تكلف، بل صدقٌ نابعٌ من قلبٍ عاش لله وفي الله، - نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله -
حدثني من حوله عن سيرته، فسمعت ما يُدهش القلب: قيامُ ليلٍ طويل، ودعاءٌ لا يملّ، وصبرٌ على الدهر لا يزيده إلا ثباتًا..
شيخٌ كُفّ بصره، لكن بصيرته كانت مشعلًا لأجيالٍ من طلبته ومحبيه..
تلك الوجوه التي تجلس حوله لم تكن تنظر إليه بعين التعظيم، بل بعين الامتنان؛ فقد جمع لهم بين العلم والعمل، بين الهيبة واللين، بين الزهد والبيان..
خرجت من المسجد بعد الصلاة، والليل قد انسدل، لكن شيئًا في داخلي أضاء..!
أيقنت أن لله عبادًا إذا رأيتهم ذكّروك به، وأن القلوب الشابّة ليست دائمًا في الأجساد اليافعة، بل في من شاخ جسده وبقي قلبه مقبلًا على الله كإقبال غيره على الدنيا!
فالسكينة تسكن أحيانًا في جسدٍ ضعيف، وتظهر في صوتٍ متهدّج، لكنها لا تسكن إلا قلبًا معلّقًا بربى الطاعة والعبادة..
ذلكم الشيخ هو عبدالرحمن بن ناصر البراك، علمٌ من أعلام العلم والورع، توفي والده في صغره، وتربى في كنف والدته، وفقد بصره وهو في التاسعة من عمره،
سيرته عامرة بالخير، مليئة بالعطاء والتعليم والدعوة.
أطال الله عمره على الطاعة، وجعل في بقاء أمثاله بركةً تُذكّر الناس أن النور لا يُستعار، بل يُستمدّ من صدقٍ بين العبد وربه..
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
