ليلة العيد ..🥀
في ليلة من ليالي الفرح، حيث ينتظر الناس العيد بقلوب مملوءة بالبشرى، جاءنا العيد مختلفًا، ليس كما اعتدناه، ولا كما عهدناه منذ سنين.
جاء العيد هذه المرة ثقيلاً، خاليًا من الفرح، محمّلاً بالحزن، مشوبًا بالفقد، إذ كُتب لجدتي لأمي "هيلة" أن تودع الدنيا في تلك الليلة، كأن الله أراد أن يترك لنا ذكرى لا ننساها أبدًا، كأنه أراد أن يعلمنا أن العيد الحقيقي ليس في هذه الأرض، بل في جنات الله، حيث النعيم المقيم، وحيث لا فراق ولا حزن..🥀
جدتي ..
رحلتِ وتركتِ خلفكِ قلوبًا مكسورة، وعيونًا ذابلة، وصوتًا كنا نألفه فغاب..!
خرجتِ من بيننا هكذا دون وداع، دون أن تخبرينا كيف نعيش العيد من بعدك، وكيف نملأ الفراغ الذي تركتِه..!💔
ثمان وسبعون عامًا، قضيتها في رحاب الله، عشتِها طيبة القلب، نقية السريرة، لم يعرف لسانكِ إلا كل خير، ولم تعرف يداكِ إلا العطاء. كنتِ للجميع أمًا، كنتِ الحضن الذي يحتوينا حين تشتد بنا الدنيا، واليد التي تمتد لتمسح على رؤوسنا حين نشعر بالتعب.
لم نعرفكِ إلا نقية، لم نسمع منكِ إلا كلمات الطمأنينة والسماح ..✨
ليلة العيد تلك لم تكن كما كنا ننتظرها، بعدما حملناك على الأكتاف وودعناكِ للمرة الأخيرة، حين وقفنا للصلاة عليكِ عشاءً والدموع تتساقط من محاجرها بلا توقف، والقلوب تئن بصمت، حتى الكلمات عجزت عن الخروج حدادًا عليك.
لم يكن مشهد وداعكِ سهلاً، ولم يكن رحيلكِ عابرًا، كنتِ جزءًا من كل شيء جميل في حياتنا، وحين غبتِ، كأن كل الأشياء الجميلة قررت أن تغيب معكِ..!🍂
أماه ..
لم تكوني مجرد أمًا، كنتِ المكان الذي نشعر فيه بالأمان أتساءل مع نفسي ولا أجد جوابًا:
كيف سيكون كل شيء بعدكِ؟
كيف سنجلس في المجالس التي كنتِ تملئينها بالحديث الطيب، دون أن نشعر بالفراغ الذي خلفتِه؟
كيف ستستطيع رفيقة عمرك وأنيسة وقتك -أطال الله بقاءها- أن تقضي ما بقي من حياتها دونك ؟!
-التي ما ذُكِرْتِ إلا وذُكِرَت معك وما ذُكِرَت إلا وذُكِرْتِ معها- لا أدري ..❕
صحيح أنكِ غادرتِ هذه الدنيا، لكنكِ تركتِ في قلوبنا بصمة لا تزول، تركتِ ذكرى لا تبهت، تركتِ دروسًا تعلمناها منكِ دون أن تدركي وتشعري، علمتنا أن الحب الصادق لا يحتاج إلى كلام، يكفي أن يكون في القلب..!❣️
كم ستشتاق لكِ النفوس، كم سيفتقدكِ الأطفال الذين كانوا يلتفون حولكِ بحثًا عن العطايا، كم سيفتقدكِ كل من عرفكِ وأحبكِ، كم سيشتاق إليكِ كل من مررتِ في حياته كنسمة صيف لطيفة لا تُنسى..
أحسب أنكِ الآن في مكان أفضل، وأحسب أن الله أكرمكِ برحمته التي وسعت كل شيء، وشملك بفضله الذي عم كل حي، وأعلم أنكِ في دار الخلود، حيث لا ألم ولا حزن -لمن هم مثلك نحسبك ولا نزكيك-، حيث الراحة التي كنتِ تستحقينها، لكن القلب ما زال ضعيفًا أمام الفقد، والنفس لم تعتد بعد على غيابكِ..!
وعن تلك الرؤيا التي رأيتها قبل أسابيع، قد جعلها ربي حقًا؛ عندما ذكرتي أنك رأيتِ نفسك مع زوجك (جدي عبدالعزيز) ومعكما ثالثة ..! "
آنسكما الله بنعيمه ✨
رحمكِ الله رحمة تليق به، وجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأبدلكِ دارًا خيرًا من داركِ، وأهلًا خيرًا منّا، وألبسكِ ثوب النور والرضا، وأسكنكِ الفردوس الأعلى بغير حساب🌱
لن ننساكِ ما حيينا، حتى وإن طويت صفحة حياتك، وأُغلق باب عزائك، سيظل سجل ذكرك طيبًا عامرًا، وسنظل ندعو لكِ في كل صلاة بل في كل سجدة، وسنظل نذكركِ كلما مررنا بمكان كنتِ فيه، وكلما سمعنا كلمة كنتِ ترددينها، وكلما شعرنا بالحنين إلى أيامٍ كنتِ فيها جزءً من حياتنا، وفي كل وقت لأنك لاتبرحين أذهاننا وخيالاتنا ..
نامي بسلام يا جدتي، فقد كنتِ من أهل الخير والفطرة -نحسبك ولا نزكيك- ، والله أسأل أن يجمعنا بكِ في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا ألم ولا حزن، مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا ..
عبدالله بن يوسف
٠٣ / ١٠ / ١٤٤٦
