في صمت الذاكرة ..
يا طيفًا ما برح يطرق أبواب الفكر، ولا غادر محراب القلب، وإن تزيّنت الملامح بطلاء الرضا، وتبسّمت الشفاه توريةً عن وجعٍ صامتٍ يأبى البوح..
وإني لأخشى أن يُفصح الشوق عن نفسه في لهجتي، أو أن تفضح الدموع ستر الكبرياء في عينيّ، فما كلُّ ساكتٍ بخالٍ، ولا كلُّ متجلّدٍ بسليم..
كم ظنّ القوم أني نسيت، وما دروا أنّ النسيان لا يزور قلوبًا طُبعت على الوفاء، وأنّ الذكرى إذا اتخذت من الروح موئلًا، استحال اقتلاعها ولو تقادم الزمان..
ما من لحظةٍ خلتُها عابرة إلا وغصّت بطيفٍ منكِ، وما من سكونٍ مرّ بي إلا وامتلأ بندائكِ المكنون..
سمعتُ عن ليل العاشقين، وقرأت عن لوعة المنتظرين، غير أن ليل المشتاقين أرهقُ من كليهما !!
ليلٌ يُنصت فيه القلب لخطى الذاكرة، فيسمع وقعها على أرضٍ خلت، كأنها تستدعي الغائب من وراء الغيب..!
ليلٌ طويلٌ لا يُقاس بساعاته، بل بأنفاسٍ مثقلةٍ بالحنين، وبأفكارٍ تعود إلى الوراء كأنها تستعير من الماضي شيئًا من الحياة،،
كم من ليلةٍ عدتُ فيها إلى مأواي، فحالَ بيني وبين الباب شاردُ الذكرى، فما استطعتُ إليه سبيلًا؛ إذ شدّني الحنين إلى الوراء شدًّا، كأنّما الطريق ذاته يأبى أن يُفضي بي إلى حاضرٍ خاوٍ من طلعة ذاك الطيف!
أسيرُ فلا أسير، وأعود فلا أعود، أُناجي الأطياف في دروبٍ أضناها الفقد، وأستأنس بصدى حضورٍ ما زال في أركان المكان، أسيرُ على خطى الذكريات كمن يتلمّس صدى أنفاسٍ رحلت، وأُحادث الجدران التي حفظت همسكِ، وأُصغي إلى السكون لعلّي أسمعكِ بين طيّاته..
إن حضوركِ في الغياب أعظم من حضور كثيرٍ في القرب، وإن صمتكِ بعد الرحيل أبلغ من ألف حديثٍ كنتِ تروينه
أيتها الراحلة إلى رحمةٍ أوسع من صدري، وإلى لطفٍ أعمق من دعائي…
نامي قريرة العين، فذكركِ دعاء، وأثركِ صدقة، وغيابكِ امتحان صبرٍ جميلٍ يُرفع به المقام بإذن الله،،
وإن بكى الحنينُ بعدك، فإن الرضا بالله يُسكته، وإن جفّ البصر عن لقياك، فإن الرجاء في لقائك هناك لا يجفّ..
في حياة كلّ إنسان ظلّ لا يغيب وإن حُجب، يلوذ به في لحظات الانكسار، ويستحضره في مواسم البِشر، لأن في الذكرى بقاء آخر، لا يُقاس بالزمن، بل بما تُبقيه من أثرٍ في القلب..
ليس أوجع من الفقد إلّا أن يظلّ الحنين بعده قائمًا كضيفٍ لا يُغادر، يُقيم بين أروقة الذاكرة فينعشها حينًا، ويُرهقها أحيانًا، لكنه — على قسوته — أنبل ما في الإنسان من صدقٍ ووفاء، فبعض الغياب — وإن كان موجعًا — فإنه يُخلّد في القلب أثرًا لا يُمحى..
وهكذا، لا يكون الفقد نهاية، بل امتدادًا آخر للحب في صورةٍ أصفى وأبقى، إذ تظل الأرواح المتحابة متصلةً بنور الوفاء، وإن انقطعت سبل اللقاء..
سلامٌ على الذكرى إذ أزهرت من رحم الألم..
سلامٌ على ما وهبكِ الله من أثرٍ باقٍ لا يزول، وعلى ما في قلبي من ودٍّ لا يَخبو وإن خبا ضوءُ الأيام،،
