وادي الملح المؤجل
يُقال إن في أقصى الجهة التي تلامس البحر ويمسّها الرمل من جهتين، رقعةً ضيّقة ككفِّ طفل، تُعرَف بين العارفين باسمٍ لا يُقال مرتين، لكن الغرباء يسمّونها وادي الملح المؤجَّل؛ لأن ماءها محبوس خلف سُتُرٍ من حديد، وملحُ بحرها أقرب إليها من قمحٍ حولها..
كان الوادي يزرع زيتونًا قصيرًا يشبه الأطفال إذا اصطفّوا للصلاة، وكانت نساؤه يخبزن خبزًا من هواء الصبر حين ينفد الطحين، ويطعمن المارّة بما توفر ولو كان فتاتًا🍃
لم يسأل الوادي ثمنًا؛ اكتفى أن يُذكَر في الدعاء وقت السَّحر..!
أُغلِقت الممرات التي كانت النسائم تتسلل منها، واصطدمت العصافير بأسوار غير مرئية..!
صار الوادي يرى البحر ولا يصل إليه، يشمّ رائحة القمح ولا يذوقه، يسمع صدى الأذان عبر الجدران العالية فيرتدّ عليه كما يرتدّ السؤال بلا جواب..!
الجوع في وادي الملح لا يقرع المعدة فقط؛ له أصوات:
• خشخشة أوعيةٍ فارغة تُعلَّق لعل المطر يملؤها..
• بكاءُ طفلٍ يطلب شيئًا لا اسم له؛ لأن الحليب صار ذكرى بيضاء..
• حنجرةُ شيخٍ يقرأ آية: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» فيتلعثم عندها لأنه يبحث عن اليسر في ظلمات الإعصار🌪️
كتب أهل الوادي رسائل على طائراتٍ من قماش الخيش، أطلقوها مع الريح، بعض الطائرات رجعت وقد اسودّت أطرافها، وبعضها لم يرجع!
يُقال إن واحدة علقت في سلكٍ عالٍ، فصارت رايةً للجوع، ترفرف كلما مرّت غيمة لم تُمطر☁️
لما ضاق كل منفذ، رفع الوادي يديه..
لا تسأل كيف ترفع أرضٌ يديها، لكن الشجرَ يشهد أنه رأى الظلال يمتدّ نحو السماء..!
كما أنه ذُكر أن بعض الأطفال صاروا يوزّعون الدعاء في أكياسٍ صغيرة، ليضع كل واحدٍ دعاءً تحت لسانه قبل النوم كي لا ينام جائعًا تمامًا..!
في الليالي التي تسقط فيها شظايا البرق الحارق، يمتزج تراب الوادي بملحٍ جديد، فلم يعد البحر وحده يملّح الأرض؛ صار هناك شيئًا أحمرًا غير الملح يضيف طعمًا لا يُنسى ولا يُغتفر!
من وراء الطوق صوت ينادي:
من أسلم وادي الملح فقد أسلم شيئًا من نفسه..
تروي العجائز أن الزيتونات القصيرات تتناقل سرًّا:
إذا اقتُلِعت شجرة، نبتت بذرتان، فالوادي يتقن لغة البقاء كما يتقن الطفل اسم أمّه..
اليوم، من يمرّ بالقرب من وادي الملح يشمّ ريحَ نارٍ قديمة، ولبنًا لم يُحلب، ودعاءً مكسورًا ينتظر أن يُجمع..
وحين تزول الكِلل، وحين يُطرَق السور من الداخل والخارج معًا، سيعرف العابرون أن الوادي الذي جاع كان يخبّئ في ترابه مائدةً تكفي الأمة بأسرها…!
..🥀
