أفول الظواهر وثبات المعاني..✨
في يومٍ برّيٍّ متّشحٍ بالسكون، حيث يخفّ صخب المدن حتى يكاد يتلاشى، وتستعيد الأشياء أسماءها الأولى، جمعتُ أعواد الحطب من أطراف المكان، وأشعلت نارًا صغيرة في فسحةٍ من الفضاء المفتوح لم يكن الدافع دفئًا يُطلب، فالنهار قائم، والشمس لم تغب، وإنما كانت رغبةً في التأمّل؛ في مراقبة هذا الشيء المتقلّب وهو يولد من شرارةٍ وادعة، ثم يشتدّ عوده، ويستطيل لهيبه، ويعلو في استعارةٍ موهومة، حتى يُخيّل للناظر أنّه بلغ غايته القصوى، ثم لا يلبث — على مهلٍ وتؤدة — أن ينكسر، ويخفت، ويطوي صفحته في صمتٍ عميق، مسلّمًا نفسه إلى رمادٍ ساكن عند تلك اللحظة، طرأت عبارة بدت كأنها خلاصة المشهد ومعناه:
مآلُ النارِ إلى رماد..!
عندها تأملت أفول الظواهر وثبات المعاني إذ ليست النار — إذا نُظر إليها بعين البصيرة — إلا وهجًا عابرًا يحسن الإيهام؛ يلمع فيستولي على الانتباه، ويعلو فيغري بالانبهار، ويضجّ فيمنح نفسه هيئة العظمة والدوام، غير أنّ العقول الراسخة لا تُؤخذ ببريق الاشتعال، ولا تُستدرج بضجيج اللحظة؛ إذ تتجاوز ظاهر الوهج إلى نهاياته، وتزن الأشياء بميزان عواقبها، فكلّ نارٍ مهما طال اشتعالها واستبدّ لهيبها، خاضعةٌ لسنّةٍ لا تتخلّف: أن تنتهي إلى رمادٍ خافت تذروه الرياح!
وهذه العبارة ليست وصفًا مادّيًا لحريقٍ يخبو، بل قاعدة كونيّة تجري أحكامها في الحياة كلّها!
إنّها كشفٌ عن هشاشة الظواهر حين تُقاس بطول البقاء، وفضحٌ لفراغ القوّة إذا انفصلت عن المعنى، وتعريـةٌ لزيف المجد إذا لم يُشَيَّد على حقيقةٍ راسخة؛ فما ارتفع بلا أصل كُتب عليه أن يفنى بقدر ما أضاء وربما قبل أن يبلغ تمام وهجه..
النار، في هذا المقام، رمزٌ لكلّ ما يفتن النفوس ببريقه ثم يخذلها عند المآل: شهوة تتسيّد فتستنزف الأرواح، واسم يعلو في الأسماع ثم يأفل في زوايا النسيان، وغضب يُطلق فتتهاوى معه القيم والمعايير..
يراها الناس في ذروة فورانها فيحسبونها قدرًا لا يُرد، وينسون أنّها تقتات على ذاتها، وأنّ احتراقها شرط استمرارها، وأنّ نهايتها كامنة في بذرة اشتعالها الأولى..!
ومن هنا تتجلّى حقيقة الحياة في أصفى صورها؛ فهي ليست سباقًا إلى الاشتعال، ولا مسابقةً في العلوّ والظهور، بل امتحانٌ طويلٌ في البقاء والاتّزان؛ ليست مسرحًا لاستعراض السطوة، بل ميزانًا دقيقًا يُقاس فيه الأثر لا الضجيج فالحياة لا تحفظ للإنسان ما بهر الأبصار، بل ما ثبت في الموازين؛ ولا تُخلّد ما ضجّ، بل ما نفع وترك أثرًا هادئًا لا يحتاج إلى صخب!
وإذا تجردت الدنيا من زخارفها وانسحبت عنها ألوان الخداع، انكشف وجهها الحقّ: كلّ ما فيها إلى زوال، وكلّ ما عليها إلى فناء؛ المناصب رماد، والثروات رماد، والأجساد رماد ولا يبقى في قبضة الخلود إلا ما تجاوز حدود الذات الضيّقة، واتصل بما هو أبقى: عملٌ صادق، ونيّةٌ نقية لا تعرف الرياء،،
وليس من الحكمة أن يُخاصم الإنسان النار، ولا أن يُسلّم لها زمام قلبه؛ بل أن يعرف موضعها من الطريق فمن اتخذها خادمًا استضاء، ومن جعلها سيّدًا احترق وكذلك الحياة: من جعلها معبرًا عبر بسلام، ومن حسبها مقرًّا دائمًا ضلّ وغرق في لججها، هي نارٌ في ظاهرها، رمادٌ في مآلها، وبين الظاهر والمآل اختبارٌ عسير، لا ينجح فيه إلا من وُفّق لحسن النظر، وأُعطي ميزان التمييز..
فإذا لاح في مسيرك لهيبٌ يستعر، فلا تَفزع ولا تُفتن؛ أَعْمِل بصيرتك قبل بصرك، وتوقّف قليلًا عند السؤال الذي لا يخيب: ماذا سيبقى حين يخبو اللهب؟!
عند ذلك السؤال تُعرف حقيقة الحياة، ويتميّز المعنى من الدخان، ويعلو ما لا تحرقه النار ولا يُدركه الرماد… فمآلُ أي نار مهما استعرت إلى رماد..
