حضور لا يخفت !
إلى خالتي..
إلى التي ما استطاعت الأرض ـ على سعتها ـ أن تغيب أثرها..
ولا استطاع الغياب ـ على شدته ـ أن يطفئ نورها..
إلى التي غابت بجسدها،
وبقيت روحًا تتردّد في البيوت كما يتردد الدعاء بين السماء والقلوب..
يا خالتي،،
يا رائحة الطهر، ويا نسمة الحياة التي تدخل الصدور كما يدخل الفجر على مدينة أنهكها الليل..!
ها نحن الليلة نقف عند حافة فرح طال انتظاره..
فرح يشبه نافذة شقت في جدار القدر،
يطل منها عمر بضياء ورث شيئًا من سكينتك،
وتطلين أنت من وراء ستر الغياب، بنور ليس من ضوء الدنيا..
نور أعرفه كنبضاتنا التي تناديك كلما حضر الفرح..!
كأن حضورك يتسلل بين اللحظات ولا يحتاج إلى جسد كي يُرى!
ليست الليلة ليلة زفاف فحسب بل ليلة ذات شطرين:
شطر يكتب لعمر على الأرض
وشطر تستيقظ فيه روحك كأنها لم تغب يومًا..
عودة خفية أشبه بهسيس جناح،
وأكبر من أن تُحاط بوصف، كأن الغيب نفسه فتح بابًا صغيرًا لتعبري منه إلى أفراحنا ..
غبتِ..
لكن غيابك ظل يتعثر على أعتابنا فلا يجد منفذًا إلى الداخل..
تركنا لك مقعدًا لا يجرؤ أحد أن يجلس فيه
ومكانًا في الصدر لا يضيق بك مهما ازدحم الفرح..
وطريقًا من الدعاء يبدأ باسمك قبل أن يصل إلى العريس،،
كنا نمشي في القاعة فنحس بملمس لا يُرى!
رقّة تهبط كما يهبط الندى على قلبٍ ارتوى بالشوق..!
وطمأنينة تجري هكذا، كأن يدًا شفافة -نعرف لمن هي- كانت تسدد خطوات الفرح لئلا يتعثر،
وتربت على حنيننا لئلا ينكسر،
وتعيد ترتيب قلوبنا كما كانت تفعل دون أن نشعر..
وهل يغيب الغياب روحًا بمثل روحك؟!
كنت معنا في كل ما لا تدركه الأبصار؛
في السكينة التي سبقت الحفل،
في الدفء الذي صعد من مكان لا نعرفه،
وفي تلك اللحظة التي دخل فيها عمر
لم يتغير المشهد وحده
بل تبدل الهواء وانتعشت الأجواء وعاد الحنين ..!
لقد رأينا ـ وليس في الأمر مبالغة ـ
أن وجهه حين أضاء، أضاء بلمحة منك
وأن خطوته حين استقامت، استقامت بدعواتك التي كنت ترفعينها له كلما ذكرت مستقبله..
وعلى مقربة من روحك، كان زوجك..
كأن روحيكما وقد تحررتا من ثقل التراب
تقفان فوق رؤوس الحاضرين، تتجاوران كطيورٍ من نور، وتباركان ذلك الابن ليبدأ مسيرهُ مطوقًا بإرث من رضاكما..
وأما نحن
فقد اتحدنا كما لا نتحد إلا في حضرة الأرواح الكبيرة لم يكن تكاتفنا عادة اجتماعية
بل انجذابًا إلى ما تركتموه فينا من مودة لا تذبل..
حضر القريب بجسده وحضر البعيد الذي أرسل دعاء يمشي على نور..
حتى خُيل إلينا أن كل قلب يريد أن يقول لكما
لن ندع الفقد يقف بينكما وبين فرح ابنكما،،
كان كل واحد منا يمسك بيد الفرح؛
كأنه يمسك بأمانة لا تخص عمر وحده
فالليلة ليست له وحده..!
بل لك!!
لغيابك الذي انقلب حضورًا،
ولذلك الحنو الذي تمدد ـ على غير ما تفعل الأرواح الراحلة ـ
فصار أوسع من القاعة وأدفأ من الأضواء..
خالتي..
يا سيدة البيوت الهادئة،
ويا رائحة الأيام النقية،
ويا يدًا كانت تربت على الحياة فتستقيم..
لو تعلمين كم رأيناك في كل تفصيل،
في التماعة العيون حين يُتم دعاء لك..
في رجفة الفرح حين يغمرنا فجأة..
في تلك اللحظة الصافية التي لا يفهمها إلا من عرفك..
حين شعرنا أن الليل يفتح صدره لروحك
وأن الفرح لا يصعد إلا إذا مر بذكراك أولًا..
لا نرثيك اليوم..
بل نقرأ حضورك في هذا البهاء؛
حضورًا لا يخفت،
ونمنحك من الكلمات ما يليق بامرأة بقيت على شفير القلوب رغم أن التراب احتضن جسدها الطاهر..
رحمك الله رحمة تقطع مسافات الشوق
و زوجك معك ..
وجمعكما في جنات لا يعرف الداخل إليها الفقد
ولا تسمع فيها الأرواح سوى سلامٍ يتردد كآي القرآن ..
ولعمر
نسأل الله أن يبارك له ويبارك عليه ويجمع بينه وزوجه في خير وأن يجعل حياتهما عامرة بالطاعة والعبادة والخير والصلاح ..
