التحفيز
لا ريب أنّ تحريك العاملين نحو الإنجاز الذاتي هو من أعظم ما يشغل المديرين ويستنزف وقتهم وجهدهم وتفكيرهم؛ لإدراكهم العميق أن نجاح أي مؤسسة إنما يقوم على ما يبذله العاملون فيها من عطاء وحماس ورغبة داخلية في العمل وهذا الدافع الداخلي هو ما اصطلح على تسميته في فنون الإدارة الحديثة بـ التحفيز، حتى غدا علمًا قائمًا بذاته، له بحوثه ونظرياته وأساليبه، تُبنى عليه الاستراتيجيات للوصول إلى التغيير الإيجابي، ودفع الأفراد نحو الأهداف والإنجاز.
ولا شك أن العاملين – على اختلاف مراتبهم ومناصبهم – محتاجون إلى التحفيز، وقد جاءت السنة النبوية شاهدة على أهميته؛ فقد حفَّز النبي ﷺ أصحابه صغارًا وكبارًا بأجمل صور التشجيع والتقدير.
فمن ذلك قوله لسعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – في الصحيح: «ارمِ فداك أبي وأمي». وقوله ﷺ لحسان بن ثابت – رضي الله عنه – يوم قريظة: «اهجُ المشركين فإن جبريل معك». بل كان ﷺ يراعي حتى مشاعر الصغار، كما في حديث أبي عمير صاحب النغير حينما مات طيره فقال له النبي ﷺ ملاطفًا: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟».
وكان ﷺ يدرك اختلاف القدرات والطبائع، فيوجّه كل صحابي بما يناسبه من مواطن القوة، فيقول: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأشدّهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل قوم أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». ومن هذا التوجيه يتضح أنه كان يستعمل مع كل واحد ما يلائمه من وسائل التحفيز؛ فتارة بالمكافأة المادية كما في غنائم حنين، وتارة بالثناء والذكر الحسن كما قال عن جعفر بن أبي طالب: «ما أدري بأيهما أنا أفرح، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر».
واستعمل ﷺ أسلوب الفخر والتقدير كما قال يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». وأحيانًا بالحب والاهتمام المباشر كما في حديث ربيعة حين سأله مرافقته في الجنة فقال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». بل كان ﷺ يلفت الأنظار إلى قيمة الأفراد الخفيّة، كما في صلاته على المرأة التي كانت تكنس المسجد، ويستعمل العاطفة والحوار العقلي كما فعل مع الأنصار يوم حنين عند توزيع الغنائم.
فقد حشد ﷺ كل أدوات التحفيز: المادي والمعنوي، القول والفعل، الثناء والتقدير، السؤال والتعليم، وحتى لفت الانتباه وإشعار الفرد بقيمته. وهذا المنهج لم يقتصر على النبي ﷺ، بل امتدّ إلى الخلفاء من بعده، فقد قال عليّ – رضي الله عنه – في توجيهه لأحد ولاته: «لا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدًا لأهل الإحسان، وإساءة لأهل الإساءة».
واليوم تؤكد النظريات الإدارية الحديثة هذا النهج، وتبني على أساسه استراتيجياتها في تطوير الموارد البشرية؛ فعملية التحفيز تعد ركيزة أساسية في الإدارة، وعلى قدر ما ننجح في إيقاد جذوة الحماس في نفوس الآخرين نكسب ثقتهم واحترامهم وولاءهم وإنتاجهم.
ومن أرقى الأمثلة ما كان بين النبي ﷺ وأبي هريرة – رضي الله عنه – حين سأله: «من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟»، فقال ﷺ: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث». فكان هذا التحفيز أعظم دافع لأبي هريرة حتى غدا أكثر الصحابة رواية للحديث، ولقّب بـ راوية الإسلام.
فلنكن – في حياتنا وأعمالنا – حانين محفِّزين، مشجّعين داعمين، فالجميع يواجه تحديات الحياة ومشاقها، وكلمة صادقة أو تقدير بسيط قد يفتح في القلوب آفاقًا من القوة والعطاء.
كن محفزًا، فالعطاء يواسي، وليس أكرم من التقدير في غرس الولاء والإنتاج
