بناء الذات: من الشعور بالوهن الى الشعور بالسمو
﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ [ آل عمران: 139]
جاءت هذه الآية بعد غزوة أُحُد، حيث أصاب المسلمين ما أصابهم من القتل والجراح، واستشهد منهم سبعون صحابياً، ومنهم حمزة رضي الله عنه.
لا شك أن الإنسان في هذه الحياة سوف يلاقي الكثير من المحن والمصاعب والآلام، ذلك أن الحياة ليست مكانًا فقط للسعادة والطمأنينة؛ فهي ليست جنة. فالكثير من المفاهيم الخاطئة التي يعتقدها الكثير منا عن الحياة أنه لا بد أن يعيش السعادة والفرح والهناء بعيدا عن اي تعكير للمزاج، ولكن حقيقة الحياة كما اختبرها الانسان في التاريخ انها تتموقع بين الحزن والسعادة، النصر والخسارة، القوة والضعف.
هذه هي الحياة؛ فلا أحد عاش تمام عمره سعيدًا تمام السعادة. فحتى الملوك والأثرياء يعيشون القلق والملل واللا معنى في حياتهم، وهم بذلك يعيشون الألم والحزن بسبب ضياع أي هدف من حياتهم.
فكل واحد منا قد يعيش الفقد والحزن والتعاسة والقلق، وقد تأتي مرحلة أخرى تعقبها مليئة بالطمأنينة والراحة والهدوء والصعود. الحياة هي تعاقب بين النقيضين، دورة بين الأضداد. فحتى فصول السنة هناك تقابل بين الفصول: الشتاء والصيف، الخريف والربيع. وحالة الإنسان تنتقل من الصحة إلى المرض، ومن القوة إلى الضعف، ولا شك أن الانتقال بين الضد والضد يكون انتقالًا تدريجيًّا بطيئًا.
هكذا لا بد أن نسلم أن الحياة لا تخلو من ألم، وتعاسة، ونقص شغف، وخيانة، كما لا تخلو من فرح، وسعادة، وشغف، ووفاء. فإذا سلّمنا بوجود هذه الأضداد في حياتنا يمكن أن نعرف كيف ندير الألم والتعاسة والخيانة والفشل. فلا يجب أن نصطدم بها وكأننا نتعرف عليها لأول مرة، بل لا بد أن نسلم بوجودها في الحياة.
صحيح أننا لا نتمنى وجود الأشياء المزعجة في حياتنا، ولكن لا بد أن لا نصطدم إذا حدثت؛ فالشيء الذي تنتظر احتمال وجوده في حياتك ليس كمن لا ينتظر حدوثه، ذلك لأن الذي يأمن الحياة قد يصطدم ويعيش فجَعًا مضاعفًا.
فيمكن أن ننتظر الخيانة من المحب،
ويمكن أن ننتظر الفقر بعد الغنى،
ويمكن أن ننتظر خفوت نجمنا بعد سطوعه،
ويمكن أن نعيش الألم بعد التعاسة.
ولكن أيضًا يمكن أن:
نعيش الحب بعد الخيانة،
أن نعيش راحة البال بعد فوضى المشاعر،
أن نعيش الغنى بعد الفقر،
أن نكون في الواجهة بعد أن كنا في الهامش.
يعطينا القرآن الكريم جرعة كبيرة من الأمل وهي: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جرعة نتناولها حين نتعرض للهزيمة، للخسارة، للضعف، وخاصة إذا امتلكنا الإيمان بالله، الإيمان الذي لا يشوبه شك في كوننا سوف ننتصر، سوف نكون في الضفة الأخرى.
وقد جاء في تفسير الطبري لهذه الآية بقوله: "ولا تهنوا ولا تحزنوا" يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح، عن جهاد عدوكم وحربهم. "ولا تحزنوا"، ولا تأسوا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم "أنتم الأعلون"، يعني: الظاهرون عليهم، ولكم العُقبى في الظفر والنُّصرة عليهم "إن كنتم مؤمنين"، يقول: إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيما يعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم.
ففي الكثير من الأحيان يسقط المرء في قنوط ويأس يدفعه للشك في مسلماته الدينية، بل يبدأ في الشك في شخصيته حتى يفقد توازنه النفسي والعقلي، وربما قد يعيش اضطرابات نفسية في الحقيقة والواقع، ويطرح تساؤلات: لماذا أنا فقط يا الله؟ لماذا كل هذا الابتلاء؟ متى هذا الفرج؟ متى تنتهي مصائبي وشدّتي؟ لقد طال البلاء وسئمت!
لكن هذه الآية يمكن اعتبارها جرعة دواء بالنسبة إلى المؤمنين؛ لأنهم يرون من خلفها انتصارًا وفتحًا قريبًا. إنها ضد الوهن، والوهن أصلها من الفعل "وهن" بمعنى ضعف وفترت قوته. فلا تهنوا تعني: لا تضعفوا، لا تفتر عزائمكم، ولا تَخوروا أمام ما يصيبكم من ابتلاء.
لقد كانت لي قصة واقعية مع هذه الآية. فلما سمعتها غيرت كياني بالكلية وأعطتني أفقًا لأرى أبعد من اللحظة الراهنة، أبعد من عذابي الآني، جعلتني أقفز على اليأس والقنوط.
تبتدئ القصة أنه عندما ناقشت رسالة الماجستير، والتي أخذت مني الكثير من الوقت بسبب المرض (حوالي خمس سنوات، وكان من المفروض أن تأخذ عامين فقط)، وجدت أن عمري يأخذ في الذوبان والتلاشي دون أن أحقق أي شيء ملموس في حياتي، وخاصة أن المجتمع يطالبك بالملموس وليس بالأفكار أو العلم. وكذلك ما تعرضت له من ضغوط عائلية من أجل إيجاد عمل. وكنت حينها في الحي الجامعي، لا أملك شيئًا: لا كوب قهوة، ولا ثمن المواصلات، وحتى ملابسي كانت مهترئة قديمة ورثة.
رحت أفكر في البحث عن عمل مؤقت من أجل أن أجد على الأقل مصروفًا يوميًّا يمكن من خلاله أن أسد بعض الحاجيات. وقد سألت أحد الأصدقاء أن يبحث لي عن عمل ما بوصفي عاملًا يوميًا، فوجهني لكي أعمل في مطعم في العاصمة. وفعلا انتقلت في يوم الغد إلى ذلك المطعم، وكان من المطاعم الفاخرة، فوجهني صاحبه إلى غسل الصحون بجانب طاهيين ونادلين.
في البداية كان العمل في المطعم أشبه بكابوس: أناس جدد من طبقة غنية يأتون لكي يتناولوا فيه الوجبات الفاخرة، وبطريقة تنم عن التكبر والاستعلاء، حيث لا يتناولون إلا القليل منه. لقد كنت بين نفسي التي لم تعرف هذا النمط من العيش، وباعتباري مجرد غاسل صحون، وبين طبقة غنية وثرية لا تراني أصلًا موجودًا.
كنت حينها أعيش صدمة نفسية بين مثقف فقير عاطل عن العمل وبين أشخاص وهبتهم الحياة الأموال والجاه. أصبحت أفكاري السوداوية عن نفسي تجعلني حقيرًا، وبدأ القنوط واليأس يدب في داخلي. إلا أن العناية الإلهية كانت معي؛ فقد كان هناك شخص يعمل معي كنادل ويحفظ الكثير من الآيات. وكنت قد أخبرته بحالتي، فكان كلما يأتي إلي بالصحون من الموائد لأغسلها يردد تلك الآية: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: 139].
كان ذلك الشخص وكأنه يقرأ أفكاري ويحدس مشاعري. صحيح أن تلك الآية ارتبطت بسياق الجهاد، وليس بالوضع الذي كنت أنا فيه، ولكن كانت تلك الآية تنتشلني من الإحباط والغرق الذي أعيشه في مخيلتي. كانت تعطيني طاقة لا متناهية من أجل الصمود النفسي لكي أواجه نفسي والآخرين، أن أواجه اليأس والقنوط. كانت روحي متعطشة لسماع تلك الآيات، وبصراحة يخيل إلي أني لأول مرة أسمع تلك الآية، وكيف لا ولم أكن من الذين يقرؤون القرآن إلا نادرًا، وحتى صلاتي لم أكن محافظًا عليها.
كان أسامة اسم ذلك الشخص النادل، وهو الذي عرفني على القرآن. لم يعرفني عليه كاملًا، بل من خلال نافذة واحدة، من خلال آية وحيدة: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: 139].
إن العقل الذي تحوم حوله الشكوك والوساوس واليأس والقنوط قد تنقذه كلمة واحدة، قد تنقذه آية فقط. وكانت هذه الآية هي التي نقلتني من ظلمات اليأس والقنوط إلى نور الأمل، والنظر إلى أبعد من اللحظة الراهنة. وفعلا، بعد مرور عام ونصف انفرجت الأمور وفتح الله علينا الكريم.
لم تكن الآية مجرد موقظ لي، بل كانت الأمل الذي انتشلني من الظلام، من اليأس، من اللامعنى، من احتقار الذات.
اية واحدة فقط نقلتني من ايماني السخيف بفلسفات التنمية البشرية الى ايماني بان الله هو الذي ينقلك من وضعك الواهن الى وضع اخر اعلى من خلال حبل الايمان
فلو سالتني اليوم عن عنوان ايماني وشخصيتي لاجبت من دون تردد: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾
