همهمات حالمة؛ الحب معجزة
كامرأة تقدس الحب مظنة أنه الترياق الأمثل لكثير من المشاكل التي سادت البشرية، فالحب معجزة ككل معجزات الله في الأرض؛ مثل خلق كل شيء حي من الماء، ورفع السماء بغير عمد، كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
الله بحكمة قدر البلاء وصرف الألم صنوفا، وجعل الحب مقدرا، كما يكون الترياق أو اللطف يتخلل الشر حتى يحجمه عن جبروته، ورحمة بل فيوض منها، كذاك الذي حوصر في أرضه، تقصفه النار من كل جهة، لا غذاء ولا ماء ولا دواء، فلم يبق له غير ريق الحب، حتى إذا حرم الرفقة لم يعدم حبا من السماء.
راودني هذا السؤال حينا: هل الحب مشتق من الرحمة؟ ام الرحمة مشتقة من الحب؟ كيف يرحم من لا يحب؟ وهل يرحم لأن له آلية حب في العموم أم يحب مرحومه بالخصوص؟ انتفاء هذين الاحتمالين ممكن للمنطق ولكنه عصي على الوجدان أو اختلاط كليهما، الوجدان والعاطفة ليست سبة فالعقل مزيج من كليهما. لا أخفيك سرا انتفاءهما يربك وجداني.
في ظاهر الأمر إيذاء الروح هو شر محض يسوء النفس ومرارته تؤلم الحلق، كيف يكون كل هذا بلا حب؟ فقط ولو ذرة واحدة! هذا مربك! لم أعرف أنس الشريف قبل وفاته ربما لمحته لمرة أو مرتين، ولكن فاضت مجاري عيناي وابتلعت غصة في حلقي وأصابني الصداع، ليس شفقة ولا رحمة مجردة، ظننت أني أعرف هذه الروح منذ خلقت وألفت وجودها واليوم تغادرني، إنه السبب ذاته عندما أرى مسلما قد أسلم لتوه، يردد عقلي بكل ترحاب: مرحبا أخي/ أختى وأنا لهذا المسلم محبة بغير تكلف، القلوب والأرواح والعقول أكثر الأشياء تحييرا وأسرارها مدهشة، كيف لا وهي خلقة الله! وكل منها ذكرها بمدلول فريد.
فكيف إذا بالتعبد؟! الذي هو أجل وأعظم صور الحب. طاقات العباد متفاوتة ولكن طاقة المحب تقيمه العمر وتخلده بين يدي محبوبه، إن الصوفية الذين هم عندي أهل الحب يشيرون أن خلقة الله تعني المحبة أي لم يخلقك إلا لأنه يحبك وهذا القول الظاهر للأغلب ميوعته وعدم إمكانه، هو ممكن من وجوه نظر والصورة البادية للناظرين هي: خلقتك من عدم، أعطيتك روحا سميتها روحي، وجعلتك صورة من الصور أحسنها، أما من الجسوم فلا جسم له عقلك كعقل أبيك، ومن الروح لا روحا وهبتها إناء تملأها شاءت من الخير أم شاءت من الشر، وجعلتك كريما ولم أجعلك عبثا أو أتركك هملا فربيتك بالآيات والبينات ورتبت لك المعاد، تقرأ كلامي وتكلم رسلي وتلمس معجزاتي، أخوفك من فسادك وأرجيك صلاحك، أزرع النور في طريقك فإما يسكنك، أو أمهلك ما تعاقب الليل والنهار لعلك تؤوب وكم أحب أن تؤوب! أحب أن تأتيني! لا أقدر لك إلا خيرا أو خيرا في ظاهره شر، وأنت يا عبدي المسكين ما تأتيني منك مصلحة، لو شئت ذهبت بك في غير ملامة، فما ظنك؟ ءأحبك؟
وذلك الداعية إلى الله أيرجو لأحد نور السماوات والأرضين وخير النعم ودار الكرامة دون مثقال ذرة من محبة له.
الحب سر من الأسرار، فيمكن له التجسد والنبض والتدفق والالتحام واللمس والسمع والبصر والمشي، ويمكنه أن يصير روحا ويعرج للسماء وينير ويحيي ويشفي ويبني ويمكنه كذلك أن يقتل! متى؟ كل زمان. أين؟ كل مكان. حتى إنه عند ذي العرش له مكان.
الحب معجزة ولغة وهوية وغاية ورحلة ونور وظل ونار ورماد وحياة.
ظننت ذات يوم أن الحب له صور كثيرة وأن المحب الذي يعتبر أذيته حبا، فكرته فقط معتلة ولكنه قلبه قلب محب، ولكن مه! ما عرف الحب قط! ولو وجده في قلبه.
كم هي جناية في حق الحب تلك المسلسلات والروايات والأفلام، مبتذلة رخيصة متكلفة تتكسب تخيل شكل الجواهر وإيراد ذلك على المسامع الدولارات الزهيدة، والجواهرة! مطمورة في الثرى، لا يقدر على استخراجها إلا أصحابها، الدولارات لأهلها والجواهر لأهلها.
أشد جنايات هؤلاء أنهم أضلوا الناس عن الطريق الصحيحة حتى أنهم لم يعودوا يشكون في وجودها مجرد شك، فوتوا عليها معاناة قيمة الحب الحقيقة وأغلى صوره.
فإن كان الحب مشتقا من الرحمة فهو عظيم جاء من عظيمة الرحمة، وإن كانت الرحمة هي المشتقة فهل هو بتيك العظمة حتى يلد عظيمة الرحمة؟
الحب بنظرة ما لا يمكنه "التنمر"، ولا يسأل إذا ما كان عليه التحلي بالرحمة، ولا يقارن النار بالجفوة، ولا يكره بغير كتاب مبين، ولا يفرحه الأذى، لا يجحد او يظلم أو يحسد، الكل عنده عطيته إحسان، وماله عفو، الناس متفاوتون في هذا وسيدهم هو رحمة العالمين الذي بعث للناس كافة.
كلما أحب الإنسان كلما اقترب من ماهيته؛ الإنسانية، ولكن أرجوك لا تقل لن أحب كل أحد، هذا جنون! نعم هذا جنون! يجب أن تكون حكيما وتعرف من ومتى وكيف وكم تحب!
أتمنى أن يتطرق الحب إلى المعارك الطاحنة بين الجنسين فيفنيها حتى تتساوى الصفوف الأكتاف بالأكتاف، هذه المعارك تصبح أسوأ فأسوأ حتى تكون ما يسمى بالمجتمع الذكوري والمجتمع النسوي.
يتجلى الأمر أحيانا عندما أتصفح بشكل عابر، قد أجد شكوى معينة من مكروب عانى من ظلم ما، فيبدأ الدفاع والهجوم، وتكون المعطيات إن كانت الشاكية امرأة: الرجال يحتملون ولا شك أنها أخطأت بنسبة ما، ويدلافعون عن الرجال كافة من شذوذ هذا الفرد، اما النساء فيهاجمون جنس الرجال أجمع. وهكذا حتى أنني أتوتر كثيرا وتصيبني بعض التعليقات بالقرف الشديد.
كل فرد يحاول إثبات قيمته التي حددت مسبقا والدفاع عن هويته التي بظنه ستمحى إن لم يفعل هذا وذاك! بربكم جميعا! أنا أظن أنني لو أمضيت حياتي أفرط البازلاء فقط لن يأخذ أحد قيمتي وهويتي، كون نصف الكوب ممتليء لا يلغي أن نصفه الآخر فارغ، وحركة جزيئات الغاز الحرة لا تتعدى على حركة الصلب المحدودة.
يجب أيضا أن أتطرق إلى كون الحب المقتصر على الصورة والاحتياج والغريزة سبة للحب، إن اقتصر الأمر على ذلك ينفي هذا الأساس من الكلية، وهذا من مفارقات التأمل. الحب رحمة والرحمة تطال الجميع في سهولة قطع الطريق السوي.
يحضرني هنا مثالين موجودين بكثرة عند الرجال خاصة، الرجل عندما يفتن يصرح بذلك بشجاعة وهذا ليس مذموما في ذاته، بعض الرجال يفعلون نقيض الصورة وهذا هو المذموم، كأن يجد فلانة قبيحة دميمة وربما ليست ذوقه وتفضيله، ربما هي فقط دون صورته المثالية المنزهة من كل عيب - وهي موجودة في أحلامه فقط بالمناسبة- فيجهر فورا بهذا الرأي، وهو هنا لا يعبر عن رأيه بل يكسر هذه المسكينة، وربما هو بصدد الهجوم على هذه المزعجة فيركلها او يلكمها او يصفعها بجسدها. الجسد جزء أصيل منا وإيذاءه بهذه اللغة نقيض تماما للغة الحب. هناك مستوى أعلى من هذا في الأذى وأقل في المحبة ان نستخدم هذه اللغة مع من نحب وهو موجود بكثرة. يشبه القذى في العين بعد عملية تجميلية.
كذلك المرأة التي لم تبلغ درجة الستر والحياء التي نشأت في أحضانها لا تسارع في اتهامها بالعهر والفسوق، فحتى الكافر لا نناديه بالكافر! بل نتلطف في دعوته ونحب له الهداية.
وكذلك الرجل الذي ليس بخشونة قومك ولم تتشقق قدمه من السير حافيا حافيا ليس مخنثا، يلزمنا من هنا التفرقة والعنصرية لكراهية كل ما سوانا من ثقافات، وعدم احترام هذا التمايز ومسامحته ومحاولة استئصاله ليس في محرقة واحدة، فهناك محرقة في كل واد كما ترى! الجميع محملون بالكراهية والتستوستيرون.
الحب يتسامع مع التنوع، ويتقبل الآخر، وأيضا هو ذاته يحارب ويعاقب ويسن الشرائع، الحب أوله من الأول وآخره من الآخر.
ولك انت أن تميز بين لغة الحب والكراهية فإن الإنسان يميز الزين والشين ويرى الجمال بغير عناء، إلا لمرض ألم به فعندها يسأل من صور له أن يبصره.
ربما لو كان الحب تربع في أحضاننا لم نمرض، الكثير من الأمراض المنشآت والمختصين والعقاقير والمدارس والكتب من أجل أن تشفينا من حرماننا من الحب، ليس أي حب، بل الحب كما أراده الله رحيما حكيما موصولا به. غايات كل هذه الأدوات أن تداوي هذا الراشد السقيم وترده سويا قادرا على الحب.
ربما لو كان الحب، ما قامت أكثر الحروب.
وبعض الصناعات الكارثية.
والجنايات.
ولكن تلك حكمة الحكيم، ومداواة الطبيب، ورأفة الرحيم.
أنقذني الحب مرات لا تحصى، سمها محبة أم رحمة، لكني كنت أغرق أحيانا حتى لا أرى إلا ظلام المحيط ويفزعني عمقه واتساعه، وأخاف الافتراس والاختناق والبرد، وأخاف الخوف، نعم هو أشد هذه الخطوب جللا، أكثر ظلمة وعمقا واتساعا من المحيط، فتلوح ذكرى الرحمن فأجدني عند شجرة يقطين.
الحب معجزة، مفتاح، جنة بكسر الجيم أو فتحها، لو أردت أن أوزع الحب على كل من أحب وعلى الإنسانية جمعاء لعرفتهم إلى الله، وهنا معجزة أخرى 《الحبيب هو الطبيب》.
