لقاء واحد اختصر كل الحب
ها هي قد مرّت كل تلك السنوات على شيءٍ معنوي طاهر وعُلْوي سمّيته وقتها حبًّا، حب كان قد هز كياني وأعاد لي تعريفا لنفسي ولدقائق مشاعري ولطموحاتي.
لم يكن مجرد حب، لأنّه كان أكثر من الحب ، ولم يكن ايضا مجرد عواطف مُراهقة عمياء طائشة تنتمي إلى فجر شبابي
كان اعمق من ذلك بكثير، كان عندي اشبه بفلسفة مليئة بالغموض ولكنها فلسفة حُلوة تشبهها تماما
ولكن تلك الفلسفة انا الذي اخترت افكارها وقلبها النابض.
كان ذلك الحب عندي غامض وأليم، ولكنه جميل جمال براءة مشاعري التي في صدري.
حب يتقد فرحا بتلك الحبيبة ، بعوالمي الخيالية التي عشت فيها طوعا ، حب يأخذ لهيبه من حسنها، ومن نظرات عيونها ، ومن البعد الذي حدث بيني وبينها .
لقد اجتمعت في ذلك الحب انفعالات كثيرة متقلبة ومتناقضة : الشوق والألم والفرح والطموح والاخفاق والانتظار واليأس والرجاء وقد اختارت تلك العاطفة في الأخير تلك النهاية المفتوحة والغامضة.
اما اليوم وبعد مرور سنوات طويله ، أعيد تذكره، واسترجاع اطيافه الذابلة ، أعيد استنطاق ذكرياته التي طُمرت بأتربة النسيان، لأعيد إحياءها لكي تعيد لي الرؤية من جديد كي أتمثله من جديد، وأبعثه كائنا حيا على الورق، ليكون حيا مرة اخرى عبر القراءة ،
قراءة لا تتوقف على قراءة الاسطر بل تغوص في الاعماق من اجل فهم الروح التي عايشته.
وليست تلك الروح التي أتحدث عنها إلا روحي أنا، ذلك أنّ ذاتي التي كانت في الماضي لم تعد هي أنا، لم أعد أعرفها بعد سنوات عديدة من ضربات الحياة المتتالية، فأصبحت ناضجة وانفصلت عن براءتها وعنفوانها ومشاعرها الأولى.
اليوم وبعد مرور تلك السنوات، وما عرفته أنا في حياتي من تحولات جذرية، لم يبقَ لي منه في ذاكرتي إلّا أطياف وأشباح.
لم يبقَ منه سوى ذكرياتٍ خافتة تكاد تُمحى.
لا أتذكّره اليوم لأنّي اشتقت إليه، ولا لأنّي ما زلت أحبّها،
ولا لأنّي أفتخر به كما يفتخر المراهق بعلاقاته... المتعددة والكثيرة
لا ، إنّما أتذكّره لأدفنه بغير رجعة، وأضع على ذكراه ورود الاحترام.
ما زلت أتذكّر ذلك الحب، لأنّه أيقظني من نفسي الرّاقدة التي لم تعرف طَعم الحب. وأثار فيّ جنون الأحلام وصنع ذاتي الحالمة التي أصبحت اليوم ما هي عليه الآن.
كنتُ عندها في سنّ العشرين حين أحببت المرأة التي أحببتها بعمق وبخيال وبفرح لا يوصف.
نعم... إنّها المرأة التي أيقظتني وربما انتظرت، ولكنّي أنا الذي فضّلت الصمت، ولغة العيون، والرحيل فيما بعد.
لم تكن قصّتي فصولًا ولا أحداثًا ولا حبكة دراميّة.
إنّها قصّة بسيطة، بساطة طالبٍ جامعيٍّ التحق بالجامعة.
كان ذلك في ذات صباحٍ من أيّام دراستي الجامعيّة، جلستُ في الصف الثالث أو الرابع من مقاعد الحضور منصتًا لأستاذ المنطق الرياضي.
وبعد لحظات، جاءت فتاة وجلست خلف مقعدي مباشرة، كانت قد جاءت متأخّرة.
وبعد لحظات: سألتني: "هل لديك سيّالة أخرى؟"
أجبتها: "نعم." بادرت بالحديث معها وخضنا في مواضيع كثيرة، وكان الأستاذ يسكتنا من حين إلى آخر. سألتها عن اسمها، ولايتها، تخصصها، ما تحب وما تكره ...دار بيننا حديث كثير، وكنت اخط على ورقة مسودة بعض ما كنت اشرحه لها من افكار وتصورات
مجرد خربشات أخذت هي ايضا تخربش فيها.
اعتقدتُ بعد انتهاء الحصّة أنّ ذلك الحديث كان مجرّد كلامٍ عابر، تمامًا كما يحدث عادة بين الطلبة.
ولكنّ كنت مخطئا ، كان ذلك اللقاء بداية ميلاد مشاعر جديدة لم أعرفها من قبل .
في تلك الليلة لمّا عدت إلى غرفتي في الحي الجامعي ، امسكت تلك المسودة التي خربشنا فيها ورحتُ أتأمّلها، وجعلتها شاهدة على ذلك اللقاء . تلك الخربشات هي كل ما بقي لدي منها لكي تذكرني بها،
وقد احتفظت بتلك الورقة لسنوات وكأنّ عطر روحها انساب فيها. وكأني احتفظ من خلالها بجزء من الذاكرة في ورقة لامستها يدها، وكأن تلك الورقة قد حنطت أوقات ذلك اللقاء فيها.
مرّت الأيّام، ومشاعري نحوها تتعاظم وتحتلني بالكامل.
بدأت شخصا آخر يظهر بعدما تزايدت تلك المشاعر، أو ربما ظهرت لي نفسي غير ما اعرفها.
ولم يمضي أسبوع من ذلك اللقاء حتى طلبت منها أن تعيرني دفترها الدراسي لأكتب المحاضرات التي لم اكتبها.
وعند رجوعي في المساء إلى الغرفة رحت اتأمل خطها، طريقة كتابتها، والأهم أني سعيد جدا أني اختفظ بشيء منها، شيء غالي ذلك لأنها هنا معي عبر دفترها.
وفي الغد سلمته لها وشكرتها ولكن لم أكن أعرف أنّ ذلك الحديث البسيط كان آخر عهد لي بها.
وتمر الايام وتعرف مشاعري نحوها شيئا لم اعهده من قبل، تنمو وتتزايد لدرجة ان امتزجت بالخوف والتردد ، وكلما احاول الإقتراب بقصد التحدث معها فشلت في ذلك .
لم أستطع التكلّم معها بعدها ، واكتفيت بلقاءٍ واحد، بذلك اللقاء الاول الذي جمعنا.
كان ذلك اللقاء الأوّل... في الحقيقة، هو الأوّل والأخير ، وهو الذي جمع بيني وبينها في الروح.
كان هو البداية، وكان أيضًا هو النهاية.
فهل يمكن أن يحيا الحب ويدوم بمجرد لقاء واحد فقط ؟ ألا يحتاج الى الكثير من اللقاءات.
هل كنت مأسورا بالحب العذري ، مقيما في حب افلاطوني مثالي؟
إنّ من لا يشعر بشدة وقع نبض القلب عليه في لقاء من يحب، لا يمكن أن يكون حبه حبا حقيقيا صادقا، ومن لا تمتزج في مشاعره خلطة من الخوف والتردد والخجل لا يمتلك صفات الحب الذي يجعله يعيش في عالم من الاحلام الجميلة. ذلك أنّ الاقدام والجرأة بما فيهما من مزايا إلا أنهما يمكنا ان يحطما الحب بالقدر الذي تم فيه تخطي الحدود بين الرجل والمرأة، فالجرأة بما لها من قدرة على انقاذ الحب لها ايضا مقدرة على تحطيم المشاعر في لحظة غضب. والعفة التي في المرأة هي التي تصنع خيالات الرجل واحلامه وتردده. وكانت تلك الفتاة صاحبه خلق وعفة لم أرها حيث يصطدم قلبي.
لم تهبني الاقدار سوى لقاء واحد فتح باب قلبي لأحتضن روحها، وكان أيضًا هو آخر لقاء ليكمل القصة ولكن على نحو مفتوح على اللامعنى.
لم أعرف كيف أكلّمها من جديد، لم يستطع لساني النطق ، اكتفيت فقط بحبّي لها.
هل كنتُ مجرمًا بحق بذلك الحب؟ ثمّ، هل كانت تحبّني بالمقدار نفسه؟ هل شعرت بما شعرت به؟
اكتفيت فقط بالنظر إليها من بعيد، وكانت تبادلني نفس النظر.
وحده الكلام كان ممنوعًا.
الصمت فقط... كان سيّد المشاعر.
يا الهي
لماذا كانت تلك المرأة وحدها هي التي تناغمت مع روحي،
لماذا كانت روحها هي التي بقيت معي طوال سنوات عديدة؟
هي لم تكن فائقة الجمال، اعرف هذا، ولكن ما السر في ذلك؟
لماذا كنت اسهر تلك الليالي دون نوم؟ مكتفيا فقط بالعيش في عوالم خيالي؟
هل كنا نلتقي في الخيال والروح؟
ثم هل أحببتها فعلًا؟ أم أنّي أحببت مشاعري نحوها؟
هل أحببت عيونها؟ أم أحببت عالمي أنا؟
لم أكن أهوى الكتابة، لكنّي كتبت لها أوّل "رواية" من صفحات، وأردت أن أهديها لها.
لكنّي لم أستطع... فهل كان حبّي لها هو الذي أوقفني لكي لا أحبّها أكثر من ذلك؟
لماذا لم أستطع أن أمنحها كلماتي؟
هل خشيت ردّة فعلها؟ أم جبنت وخفت؟
مرّت الأيّام، وأنا أعيش أجمل حبّ عرفته في حياتي.
لماذا كان حبّها جميلًا بتلك الطريقة؟
لماذا كان السكن في عالمي وعالمها، من دون أن تدري، جميلًا بما فيه الكفاية لكي أكون سعيدًا؟
ما الذي جعلها جميلة هكذا في نظري؟ وقد أخبرني صديقي أنّ جمالها ليس بذلك الجمال الساحر.
لم يكن حبّي لها مبنيًّا على كلمات ولا لقاءات، إنّما على صمتٍ جميل.
أفعلا أنا الذي قتلت ذلك الحب بخوفي وتردّدي؟
أم خوفًا من حساباتي لمستقبلي المادّي؟
أخوفًا من أن أسجنها في أملٍ غير قادر على تحقيقه لها؟
هل كانت ظروفي الماديّة سببًا في خوفي من أن أتقدّم إليها؟
لكن لماذا لم أصارحها وأزيح تلك الصخرة من قلبي، صخرة الكتمان؟
كم كانت تلك الليالي جميلة، وأنا أعيش داخلي أجمل إحساس معها.
هل كان إحساسي بها هو الذي يهمّني؟ هل كان حبّي لها جنّتي؟
لماذا لم أقترب بما فيه الكفاية؟
ثلاث سنوات مضت في الجامعة، أبادلها النظرات.
لم تقترب هي، ولم أقترب أنا.
كلّ شيء استسلم للصمت.
في آخر أيّام التخرّج، رأيتها لآخر مرّة.
كانت تسير بخطى متسارعة، تنظر فيّ، في عيوني... ولكن لم أعرف ماذا كانت تريد أن تقول.
هل كانت نظراتها تلك: نظرات لوم وانتظار؟
ماذا كانت تنتظر مني؟
نظرتُ إليها وقلبي يتألّم: اعرف إنّها آخر نظرة، هو آخر يوم من قصتي التي بقيت مفتوحة على اللامعنى.
لماذا لم أكلّمها؟ لماذا لم أقترب؟ إنّه يوم الوداع.
لكنّي انتكست وتقهقرت.
منذ ذلك اليوم لم أرَها. وقد مرّت سنين عديدة، ولم أعرف أخبارها.
هل كنتُ صادقًا في حبّي لها؟
لماذا لم أضحِّ أكثر وأبحث عنها؟
هل كنتُ كاذبًا؟
هل كانت ستنتظرني ثماني سنوات؟
هل كانت لتصبر لترى أنّي وجدت عملًا؟
وكم يلزمني من وقت لأهيّئ نفسي للزواج؟
سامحيني يا سيّدتي، أنّي لم أستطع الاقتراب.
سامحيني أكثر إن كنتِ قد أحببتِني بالفعل.
أحمد الله أنّي لم أصارحكِ بحبّي، ولم أبنِ لك قصورًا من وهم.
أما اليوم بعد تلك السنين الطويلة، اتذكر ذلك الحب لاضع له زهور التقدير والاحترام
لم اقترب، لم ارد اشعال نار الحب اكثر مما ينبغي ،
لم أرد ان اقول لها يوما : آسف حبيبتي اذهبي وابحثي عن غيري لأن ظروفي المادية لا تسمح بذلك
لم ارد كسرها، ولا كسر نفسي، قد يكون الله في لطفه وحكمته في تدبيره أن يصرف عني وعنها عذابات لا نستطيع تحملها
