عندما كنتُ في النصف الثاني من عمر العشرينات، استعجلتُ مستقبلي، وأن أجد لنفسي موقعًا في هذه الحياة عبر وظيفة تجعلني محققًا لبعض أحلامي أو منطلقًا لتحقيقها.
لذلك، كنتُ كثير التذمّر والانزعاج من الواقع الذي أعيشه، فأنا لا أملك حتى ثمن كوب قهوة، ولا ثمن المواصلات التي تنقلني من قريتي إلى المدينة.
كانت أمي تنتظر لي الفرج، وربما كل إخوتي. كنتُ أجدها قلقة عليّ، وكنتُ في كثير من المرات أقدّم لها بعض الآمال التي يمكن أن تكون في المستقبل القريب، عن وجود بعض مسابقات التوظيف، حيث كنتُ أقنعها - ولو كذبًا - بنجاحي في إحداها على الأقل.
لا أنسى تلك الأيام، حيث كنتُ كثير الهمّ لمستقبلي الذي لم تظهر ملامحه بعد. كل شيء غامض، وليس لي أي أمل هناك في المستقبل.
كنتُ أرى المستقبل كجزيرة تفصلها عني مسافات، ولربما أمواج وحدود لا يمكن قطعها بسهولة.
كانت تنتابني الكثير من المشاعر الأليمة، التي كانت تجعلني أنزوي في زاوية ضيقة من تفكيري، ومن المؤكد أني كنتُ كثير التشاؤم من الحياة ومن المستقبل، ولربما كنتُ أُعكّر صفو مزاج أصدقائي بكلامي الذي يمتلئ بالسواد.
وحده الألم هو الذي كان يملأ وقتي كله. فقدتُ الشعور بالإحساس بالحياة الجميلة، فلم أكن أعيش حياتي إلا متأوهًا أو متألّمًا، كثير الشكوى. وانعكس هذا حتى على أفراد عائلتي، فأنا الذي كنتُ أملأ البيت بالضحك واللعب والمزاح والفكاهة، أصبحتُ كثير التذمّر والانزواء في غرفتي مع هاتفي المحمول التقليدي.
كم تركتُ من أحاديث ولقاءات عائلية حضرتها والدتي وإخوتي، أما أنا، فقد كنتُ أهوى فقط السماع لمشكلاتي التي أصبحت أكثر عِظَمًا بأوهامي.
كم ضيّعتُ من ضحك ومرح ولعب، جراء ذلك الشعور الذي كان يجعلني بعيدًا عن عائلتي.
وقد مرّت أيام وشهور، وسارت الأمور قليلًا نحو الانفراج، وبدأت آلامي ومخاوفي تزول، إلى أن انفرجت تمامًا، ووجدتُ عملًا يليق بي وبِتعبي.
لكن ظهرت مشكلات أخرى لم أكن أتوقعها، وأمور لم يخطر ببالي وقوعها، وبدأت هموم أخرى.
أما أنا، فقد استخلصتُ الدرس متأخرًا:
فلا يجب أن تُضحّي باللحظة الراهنة في سبيل لحظة أخرى متوهّمة، قد يحصل ما تتوقعه وقد لا يحصل.
فبعد أن مضى ذلك الوقت كلّه، أجد نفسي أنعاه وأبكيه، لأني قتلته بسوء تصرفي، وملأته بهمومي.
ذلك الوقت الذي مضى من حياتي، أنعيه اليوم، وأريد أن أقدّم له اعتذاري، وأعترف له بمدى حماقتي وسخافتي.
فالأم التي كانت تنتظر نجاحي بلهفة، طواها الموت بصمته الرهيب، والاجتماعات العائلية تلك، أصبحت ذكرى من الماضي.
حتى تلك الآلام التي كانت في تلك الأيام، نسيتُ شكلها وهويتها، فقد نزعها الزمن الطويل من ذاكرتي.
بل أصبحت تلك الآلام والهموم التي كانت في العشرينات من عمري، كجزء من ماضٍ أنا أحنّ إليه؛ ليس رغبة في الألم، وإنما أريد استرجاعها في ذاكرتي، كنوع من الحنين إلى "ماضي أنا"، كحنين إلى هويتي السابقة التي بدأت تتشكّل في عنفوانها.
أنا لا أذكر تلك الأيام إلا كما يذكر الشيخ فجر شبابه، أو الصيف فجر الشتاء، أو كما يتذكر المحبّ ذكرى نظرته الأولى.
لم يبقَ من ذلك الزمن إلا أطياف تكاد تُمحى. وبالرغم من آلامها وهمومها، إلا أنها تنتمي إليّ أنا، فهي جزء من هويتي وروحي.
فبعد تلك السنين، لم أعد أكره وجودها في حياتي، بل أنا أرحّب بها؛ ليس كواقع جديد من حياتي، بل كذكرى جميلة. وأنا الذي كنتُ حينها أرغب وأحاول تسريع الوقت من أجل أن تمضي أيام الهمّ والحزن.
فعذرًا يا أيام القلق والهمّ والحزن، فإني لم أكن أعرف قدرك ومكانتك.
فعذرًا يا من كنتِ جزءًا من تكوين شخصية روحي، لم أكن أعرف قدرك.