الزبد والماء النافع
"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد ١٧]
"فَأَمَّا الزَّبَدُ": الزَبَد هو الرغوة التي تعلو الماء عند جريانه أو عند صهر المعادن — وهو شيء لا نفع فيه، خفيف، ويعلو السطح، لكنه لا يثبت. "فَيَذْهَبُ جُفَاءً" أي يُطرد ويُلقى بعيدًا، كما تُلقى الأوساخ التي تطفو على وجه الماء. "جُفَاءً" أي مطروحًا على جانب الطريق، لا يُنتفع به. "وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ" مثل الماء الصافي أو المعدن النقي بعد إزالة الزَبَد — هذا الذي يستقر ويدوم وينتفع به الناس. "فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" أي يبقى ويستقر، ويُستفاد منه في الزراعة، والشرب، والتجارة، والصناعة... إلخ.
عندما ننظر في حياتنا وما نحن عليه اليوم من مكانة اجتماعية او علمية ونفسية فنجد انه نتاج ما عشناه في الماضي. إنّ الحاضر الذي نحن عليه اليوم هو نتاج الماضي ولا يمكن انّ نكون غير ذلك . فنحن اشخاص اخترنا انفسنا في الماضي ولم يخترنا أحد ولا احد مسؤول عن هويتنا النفسية اليوم. صحيح انّ الظروف الاجتماعية والعائلية والمادية تلعب دورا في تشكيل شخصياتنا ووضعياتنا الاجتماعية. ولكن لا يمكن ان تؤثر فينا على نحو حاسم في تحديد من نكون. فنحن بين خيارين، إما ان نستسلم للظروف واما ان نستعملها في صالحنا. فكل شيء كان لنا من: وقت ومال واصدقاء وفرص دراسة وعمل، نحن من يوجهه نحو هذه الوجهة او تلك ، نحو هذا الاتجاه او ذاك ، نحو هذا النوع من الاستخدام او ذاك .
فلنتذكر جيدا المال الذي كان بين ايدينا في وقت ما من الماضي، او نحوزه اليوم في الحاضر، فهل نحن نستخدمه لصالحنا ام نبذره في اشياء لا تغني ولا تنفع.
ولننظر الى الوقت الذي هو بين ايدينا اليوم فهل نحن نمضيه في اللهو واللعب ام في طلب العلم وتطوير الشخصية وفي العمل النافع.
ولننظر الى دراستنا اليوم كتلاميذ في المدرسة او الجامعة فهل نحن نقضية في الضحك والشغب ام في تحصيل العلم والجد
يتعلق الامر بكيفية توظيف الاشياء التي بين ايدينا في خدمة شخصياتنا واهدافنا وطموحاتنا في الدنيا والاخرة .
ولعل الشيء الذي يندم عليه الانسان اشد الندم هو الوقت المهدور الذي نهدره في اشياء لا تنفع: مثل تتبع صفحات التواصل الاجتماعي ومشاهده المسلسلات وفضائح المشهورين من الفنانين والفنانات . فنجد انفسنا من صورة لأخرى ومن فيديو الى اخر ففي النهاية نتفاجأ أننا قد استهلكنا الكثير من الوقت، او قل قد سُرق منّا الوقت من طرف هؤلاء الاشخاص الذين يبحثون عن الشهرة والاثارة ولكننا لا نعرف ان هؤلاء حقيقة يسرقون اوقاتنا بالمعنى الحرفي للكلمة ، ما فائدة ان نتعرف على اخبار الفنانين والمشاهير وما فعله فلان وفلان وما وقع فيه من فضائح ومصائب، لأننا دون أن نشعر يسرق وقتنا من حياتنا دون ان نعي ذلك .
إنّ اغلى ما يملكه الانسان هو الوقت والمعرفة، فإما ان نستخدم هذا الوقت فيما ينفعنا في الدنيا والاخرة او قد نهدره في اشياء لا تنفع . فإذا اتجهنا نحو استعمال الوقت الذي هو مقدر لأعمارنا نحو تنمية ذواتنا وتزكية نفوسنا فنحن بذلك قد جعلناه زمنا حيا مباركا لا يموت حتى بعد مماتنا لأنّ ذلك الزمن قد تحول الى اثار لنا تجلب النفع للغير والاجر لنا ونحن في القبور أ اما اذا استعملنا الوقت في المشاهدة والتفرج والمتابعة والقيل والقال فاننا بذلك نحوله الى زمن ميت لا نفع فيه ولو عشنا الف سنة لان ليس فيه اي انجازات تذكر. فالوقت الحي والميت فرق وحيد يفصلهما وهو ماذا عملنا فيه وماذا انجزنا . اما المعرفة فالبعض منها نافع ويمكن ان يخدمنا في كل النواحي مثل: تعلم اساسيات الدين وتعلم اللغات وكيفية ادارة العلاقات الاجتماعية والعائلية التي كثيرا منها يأتي بالتجربة ومعرفة اتقان العمل هذه المعرفة مهمة ونافعة تدخل في تكوين شخصية الانسان. وهناك جزء آخر من المعرفة التي قد تكون ضارة لصاحبها مثل: تعلم السحر والمكر والحيل والمخادعة. هذه المعرفة لا يريد منها صاحبها الا نيل بعض اعراض الدنيا. والحق أنّ كل زمن لا انمو فيه هو زمن ميت وكأنه مسروق من حياتي وكل معرفة لا تجعلني اسمو فوق ذاتي القديمة فهي معرفة باطلة.
فقد يتحول وقتنا ومعرفتنا الى زبد لا نفع فيهما ، ويمكن أن يصيرا اذا حددنا اهدافنا الى نفع وبقاء ابدي.
إنّ المطر الذي ينزل من السماء ، البعض منه ينزل الى باطن الارض فينفع الناس عندما يخرج في شكل ينابيع يشرب منها الناس ويسقون. ويكون البعض الاخر الذي يطفو فوق سطح النهر مجرد غثاء لا ينتفع الناس به لانه سوف يتلاشى وينعدم . فإذا نظرنا على ضوء هذا الجزء من الاية الكريمة " فاما الزبد فيذهب جفاء " فيعني ان الاشياء التافهة والباطلة التي لا نفع فيها لا يمكن ان تدخل في تكوين شخصياتنا ولا يمكن ان تساعدنا في تحقيق طموحاتنا لان بطبع هذه الاشياء التافهة والوضيعة ان تسرق وقتنا وتنزل من مستوانا ومن اهميتنا فإذا جعلنا هذه الاشياء الباطلة والتافهة هي مدار اهتمامنا واشتغالنا فسوف نكون مثلها لاننا سوف نكون جفاء اي اننا سنصير دون نفع: لا لانفسنا ولا لمجتمعاتنا " واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض " ذلك ان الباطل والتفاهة ليست بطبيعتها الدوام والاستمرارية بل الزوال اما الحق وما هو صلب فهو دائم وخالد بطبيعته.
هكذا هي شخصياتنا الحاضرة التي بين ايدنا اليوم فهي نتاج ما اشتغلنا عليه في الماضي وما مالت له قلوبنا واوقاتنا نحو الحق او الباطل، نحو المفيد او الضار ، نحو الخالد او الزائل ، نحو التافه او الجاد. لهذا فإنّنا اذا اردنا وجودا دائما حقيقيا على هذه الحياة وتأثيرا يبقى بعد مماتنا فلابد من اختيار طريق ما هو حق وصلب ونافع ، فالعلم الذي نتركه وراءنا والاخلاق الكريمة والصدقات الجارية هي التي تجعل للشخض ذكرا عبر السنين وتكون له ذخرا له يوم القيامة ولكن للاسف اراد البعض اختيار طريق الزبد فاختاروا طريق الاشتهار السلبي من خلال اشتغالهم على مواضيع الكذب والبهتان والتعري والقذف وعلى الرغم من احداثهم ضجة وشهرة مؤقته الا انهم لا يؤثرون في الاخرين الا نحو سلبي
