هاوٍ للكتابة، أجد في سطور الخواطر ملاذًا للتعبير عن مشاعري وتأملاتي في تفاصيل الحياة. أكتب لأفهم، لأتنفّس، ولأترك أثرًا هادئًا يشبهني. أهتمّ بالجمال الكامن في الكلمات، وأؤمن أن أبسط الشعور قد يصنع أثرًا عميقًا حين يُكتب بصدق.
«حكاية علي.. ستُ سنواتٍ من الغربة»
الفصل الأول: مدينةٌ لا تعرفُ اسمي🌧
في مساءٍ شديد البرودة، من خريف عام ٢٠١٧، حطّت طائرتي في مطار مانشستر. كانت المرة الأولى التي تغيب عن عينيَّ ملامح الوطن. لم يكن برد المدينة البريطانية هو ما آلمني، بل الفراغ الذي كان ينتظرني في عيني الغرباء.
استقليتُ الحافلة نحو مدينة «شيفيلد»، وحدي مع حقيبةٍ صغيرةٍ ودمعةٍ مكتومة. جلستُ قرب نافذة الباص، أراقب قطرات المطر وهي تسيل على زجاج النافذة كأنها تبكي معي بصمت.
تذكرتُ وجه أمي، حين ودّعتني بصوتٍ مرتجف:
«انتبه لنفسك يا علي، وعدني أن تعود…»
مررتُ أصابعي على النافذة الباردة وكتبت اسمها، ثم همستُ كأنها تسمعني:
«سأعود…»
⸻
الفصل الثاني: غريبٌ في المقهى📚
كانت الدراسة تسير بشكل جيد، أنهيتُ الماجستير في صيف ٢٠١٨، وقررتُ مواصلة الدكتوراه. أحببتُ عزلتي في مقهىً صغيرٍ قرب جامعتي. كنتُ أجلسُ يوميًا إلى طاولة صغيرة بقرب نافذةٍ مطلّة على شارع مزدحمٍ بالبشر الذين لا أعرف أحدًا منهم.
في ذلك المقهى، اعتدتُ كتابة رسائلٍ طويلة لأمي، كنتُ أخبئها في جيبي دون أن تصل أبدًا.
ذات مساء، رأيتُ شابًا إنجليزيًا يجلسُ مع أمه المسنّة، يحتضن يدها بحنانٍ دافئ. شعرتُ بألمٍ حادٍ في صدري، كأنني رأيتُ مشهدًا مُحرّمًا على غربتي. كتبتُ لأمي يومها:
«رأيت اليوم شابًا يمسك يد أمه يا أمي، وشعرتُ أن يدي باردةٌ جدًا… اشتقتُ ليدكِ التي تمسح الحزن عن وجهي.»
⸻
الفصل الثالث: الوباءُ ووحدة القلب🦠
عام ٢٠٢٠، جاءت جائحة كورونا، ومعها أسوأ أيام حياتي. عُزلتُ في غرفتي الصغيرة لأسابيع طويلة. أغلقت الجامعة أبوابها، والشوارع باتت خاليةً من الحياة.
في ليلةٍ موحشة، اتصلتُ بأمي محاولاً إخفاء دموعي. سمعتُ صوتها مرتجفًا من خلف السماعة:
«هل أنت بخير يا ولدي؟»
انهرتُ باكيًا كطفلٍ صغير:
«لستُ بخير يا أمي… أنا وحدي هنا، والمرض يخطف الأرواح… أخافُ ألا أراكِ ثانية.»
بكت معي، لكن صوتها بقي ثابتًا رغم ضعفها:
«الله يحفظك يا قلبي، سأبقى أدعو لك كل ليلة.»
في تلك الليلة، نمتُ كمن يحتمي بدعوات أمه كي لا يموت حزينًا.
⸻
الفصل الرابع: رجل القطار🚊
في رحلةٍ بالقطار إلى لندن عام ٢٠٢١، جلستُ بجانب رجلٍ عجوز، كان يحمل صورةً قديمةً لزوجته المتوفاة. حدّثني عن غربته الطويلة وكيف عاش بعيدًا عن وطنه وأهله.
قال لي والدمعة في عينه الزرقاء:
«الغربة يا بني هي أن تصبح غريبًا عن قلبك، فلا تتأخر… كل من نحبهم يرحلون سريعًا.»
ظلت كلماته تُرافقني طويلاً، تسير معي في شوارع شيفيلد، وتجعلني أسأل نفسي كل ليلة:
«ماذا لو فات الأوان قبل أن أعود؟»
⸻
الفصل الخامس: شهادةٌ باردةٌ 🎓
أنهيتُ الدكتوراه في ربيع ٢٠٢٣.
يوم المناقشة كان الجو باردًا وماطرًا، تمامًا كما كان يوم وصولي. سمعتُ كلمات التهنئة من الجميع، لكني بحثتُ عن وجه أمي في الشاشة الصغيرة التي تبث مناقشتي على الإنترنت. لم أرَ سوى صورتها التي وضعتها أختي على الكاميرا، بعدما دخلت أمي المستشفى بسبب تعبها.
وقفتُ أمام اللجنة، وقلت بصوت مختنق:
«كل ما وصلتُ إليه اليوم، كان بفضل امرأةٍ تقاتل المرض وحدها بعيدًا عني… أمي.»
صفّقوا لي، لكني عدتُ إلى غرفتي باكيًا دون أن أحتفل.
⸻
الفصل الأخير: العناقُ المنتظَر ✈️
في ديسمبر ٢٠٢٣، عدتُ أخيرًا للوطن. وقفتُ أمام باب الوصول في المطار، رأيتُ أمي من بعيد على كرسيّها المتحرك. بدت أكبر بكثير من آخر مرة رأيتها.
ركضتُ إليها كطفلٍ أضاع الطريق، انحنيتُ وقبّلت يديها وهي تمسح دموعي وتقول بصوت ضعيف:
«الحمد لله على سلامتك يا ولدي… كأنني ولدتُكَ من جديد.»
احتضنتها بشدة، كأني أعوّض عن كل الليالي التي كنت أحتضن فيها وسادتي وحيدًا.
قلتُ لها وأنا أبكي:
«سامحيني لأني تركتكِ كل هذه السنوات…»
قالت وهي تضمني بقوة:
«لم تغب عني يومًا يا علي، كنتَ معي في كل صلاةٍ وفي كل دُعاء.»
⸻
الخاتمة:
سبع سنواتٍ قضيتها في بريطانيا، علّمتني أن الغربة ليست رحيل الجسد، بل أن يُصبح القلب غريبًا عن ذاته.
اليوم، وأنا أجلسُ إلى جوار أمي أروي لها الحكايات التي عشتها بعيدًا عنها، أعرف أن كل شيء يستحق العناء ما دام حضن أمي ينتظرني في النهاية.
كتبتُ لها أخيرًا:
«يا أمي، لم يعد في القلب غربة… أنتِ الوطن، وما عداكِ كان مجرد سفر.»
ومنذ ذلك اليوم،
لم يترك علي يد أمّه أبدًا.
