بيني وبين الآتي.
عزيزي أمير،
صقيع الشتاء آخذ في الانسحاب، أستيقظ صباح السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، متأخرة لأني أماطل الوقت، أحاول الالتصاق بالسرير والالتحاف إلى أبعد دقيقة ممكنة، أذهب للعمل، الناس مثل سمكة الأنشوجة في مسلسل سبونج بوب، يطأون على الذوق بإصبع قدمهم الكبير، ويرسلون البصاق بين الكلمات ويخربشون بأظافرهم بعدوانية، اعتدت على المكان والسبب يعود إلى زملائي في العمل، أظن يا أمير أنني أصبحت شابة متصالحة مع نفسي للغاية إذ أنه إذا رأيتني لن تراني أنفر من ذاتي ولن ترى ذاتي تنفر مني، آكل لقمتي لأشبع بطني وأرطب بشرتي وأبتسم كثيرا، الخوف الذي علمتني إياه الحياة ينجلي بهدوء وثبات تراهما باديان من عيني.
أمير كثيرا ما أبحث عنك بين الوجوه على الرغم أني لم أعرف أبدا كيف تبدو، وأدعو لك بالجمعات على الرغم من جهلي لاسمك، وأراك بالمنام دون أن يسبق لي عهد بلقاك.
لقد قلبت مبادئي رأسا على عقب خلال طول العهد الذي مضى والعهد الآت، أكرهت بمرارة الدواء على أن أدرك الحقائق كما هي، مثل كل أنثى الحقائق كما هي مجردة تؤذي قلبي الصغير، والحقائق يا عزيزي تقول أنك لست ماض ولست حاضرا أنت آت، ولا تأتي صفر اليدين بل بميثاق، ولا تشرب قهوة مالحة، أنت في مكان ما في هذا العالم وأنا في مكان آخر، على الأرجح إما أبعد من مد البصر ما وراء الأفق أو أنت على قمة جبل أو أنت على الخط الفاصل بين اللقاء واللقاء أو أنت تائه بين حكايات الناس أو آت على غير ميعاد أو تواجهني تراك العين بيننا شبرين، أو أنت أمير، كل شيء إلا أن تكون معقودا بخنصري.
إذا كذبت الحقائق يوما لن تقتل أحدا، أما إذا كذب القلب يموت صاحبه.
لقد سألت الله أن يأتيني بصاحبي وأنت صاحبي، فلا محالة أنت آت، لأن الله أجاب دعائي جميعا منذ تعلمت الدعاء، وعندما تأتي ستصير كما تصير كل الأشياء! أما هو فسأستمر بسؤاله.
أنت رجل ولن تكره الحقائق الجامدة بقدري، ولكن ركب في طبع عجيب، أنا أرحم الطري والجامد، والوحش والنمل، أما نفسي فلا أرحمها إلا إذا دست عليها فإن لم ينفع رحمتها على مضض. فأما الثكالى والمكلومين إن لم تكلأهم رحمتي ذكرني الله رحمته فعلمت أنه هو يرحمهم فقلت: ما علي.
طال العهد بي في هذه الحياة يا أمير، خمسة وعشرون، سبعة منها في تيه شديد، لا أعرف ما الإنسان ولا أحب معاشه، في هذه السبع أردت شيئا واحدا أكثر من لقياك، أردت الله، وما أدري بأي عين يراني، وأنا وأنت نعلم أن من خاف نجا، ولكن ويا للعجب لا أعرف أخوف هو أم أمن ولكن صدقني يئن قلبي كل حين مرة ينبئني فيها أنه تحت وطأة شديدة من الألم ونوبة صرع يغيب فيها عن الوعي، فأعرف وأكذب إدراكي أنه بعيد، بعيد جدا.
لن أكذب عليك تمنيت كثيرا ذاك القرب، قرب الأولياء، أردت أن يحبني الله، لذا دعني أتوسل لله بهذا أولا، وإذا وسع المقام فمقامك بعد المائة.
آه لو علمت ما أعلم يا أمير، لو تشعر بما أشعر، لما أضعت وقتك بالفناء وللزمت عيناك السماء ولبكيت صباح مساء لعشت طمعا ونمت ورعا وخفت ضرعا ومت فرحا، أيا أميري المتواري تحت ستار المجهول، أيها الآت في غياهب المستور: اصمت ولا تقل إلا خيرا. أو نبوء أنا وأنت بقسوة قلبينا. فلعل الله أن يرحمني برقة في قلبك.
لعن الله الصهاينة وأعداء الدين، ونصر المسلمين وأذل الشرك والمشركين وساد دينه في العالمين.
المخلصة
هند.
