بسم الله الرحمن الرحيم

الساعة الرابعة فجرا ، الظلام دامس ، السكون مخيم ، لا أصوات تقريبا تسمع ، وحده بصوته الرتيب الخشن كان ينتهك خصوصية الليلة الماضية و ها هو مستمر في انتهاكاته ، مستمر في افساد هذا الفجر الجميل ؛ اتحدث عن المولد الكهربائي اللعين الذي يديره أحد المتمسكين بأهداب الحضارة باستماتة ، لم يطق ليلة واحدة - بل شطر ليلة - بدون كهرباء !.

لا تعترض أرجوك ستقول لي : ان ليلة بدون كهرباء تعني  : ليلة بلا مكيف ، و لا نت ، و لا محمول ، و لا فضائيات ... أعرف، أعرف هذا كله جيدا ، و لكن ليلة بدون كهرباء تعني أيضا : ليلة أصفى ، ليلة أنقى ، ليلة أهدى ، انها تعني نجوما أسطع ، قمر أوضح ، ان ليلة بدون كهرباء تعني- يا صاحبي- ليلة بلا كثير من الحجب (جمع حجاب) .

الحجب ، انها في كل مكان ، حجب كثيرة كثيفة مخيفة : حجب تخفض حرارة عش الزوجية فتجمد عواطف الزوجين و ترفع الجدران بينهما ، حجب تبعد الابن عن ابنه لتلقيه في أحضان وهمية مفترضة ، حجب تصرفنا عن جمال الكون الى جمال مزيف .

هل عرفتموها ؟ انها حجب الحضارة المادية ؛ مع أول مصباح كهربائي بدأت رؤوسنا تنخفض الى الأرض مبتعدة شيئا فشيئا عن نور السماء ، طلقنا التأمل في النجوم ، قلينا القمر ، مع أول الموجات التي اخترقت الأثير مستقرة في معالجات ذلك الصندوق الضخم ( الراديو القديم) محولة اياها الى أصوات طلقنا الاستماع الى تغريد العصافير و خرير الماء ، مع اول صورة انتقلت عبر الفضاء لتظهر - و يا للعجب - على شاشة زجاجية ( شاشة التفاز) طلقنا التأمل في عجائب خلق الله .

و لكن الحجب المخيفة الكثيفة غمرتنا منذ سنوات مع الفضائيات و النت و المحمول معلنة بدء فصل جديد من فصول التواصل مع الطبيعة مع البشر ، بل و مع الله !

يتملكني الرعب أيها السادة عندما أسافر مع عائلتي ،  مع أصدقائي ،  فألفت انتباههم الى منظر جميل فلا يلتفتون ، عندما أندهش من مشهد جديد غريب فلا يندهشون ، كلهم بلا استثناء في أجهزتهم يحدقون ، يتواصلون مع العالم كله الا مع المقربين منهم ، و هذا مرعب ، انهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .

لست ضد التقدم أيها السادة ، و لكني أحذر من تحول الوسائل الى غايات ، الهاتف أخترع لتسهيل التواصل بين البشر فحولناه الى سكين تقطع هذه الأواصر ، بنينا من خلاله علاقات مزيفة ؛ علاقات توهمنا أنها تعوضنا عن علاقاتنا المختلة ببعضنا ، و قس على ذلك كل ما اخترعناه كيف تحول الى أداة تمزق روابطنا ، تقيد خيالنا ، تطفيء نور عقولنا .

لذلك كنت مستمتعا بليلتي ، غنيت  - بلسان الحال لا بلسان المقال - ( هذه ليلتي و حلم حياتي ) ، رحم الله الحاجة ام كلثوم ، نعم نحن نفتقد أيها السادة ذلك الزمان الجميل ، نفتقد الهدوء و السكينة و العلاقات الدافئة و النظرات الحنونة ، نحن نفتقد يا سادتي بشريتنا ! ، لذلك كنت مستمتعا ، كنت ممتنا لمن منحني فرصة للتواصل مع ابني ، مع زوجي دون وسائط ، ستقولون :  مجنون ، حالم ، يعيش في دنيا الخيال ... هذا ما أعلنه أيضا جارنا صاحب المولد الذي ذكرني أن الزمان لا يعود الى الوراء ، أصر على افساد متعتي ، لكنني مصر على موقفي ، انا الآن استخدم جهازا حديثا في كتابتة هذا الجنون ، لكنني لن أسمح له بالإستحواذ علي الآن سأضغط على تلك الأيقونة الخضراء لنشر هذا الهذيان - حفظ الله عليكم عقولكم - و القي جهازي اللوحي جانبا لأتحرر من قبضته ...