صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينأحدث المقالات
Oktob
صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينأحدث المقالات


عن أكتبتواصل معناشروط الكتابةسياسة الخصوصية

اكتب © 2026

/أحدث المقالات/تضرع طاغية
ع
علاء حسام هلال

مدمن على القراءة مهتم بالتاريخ و الفكر عاشق للروايه و السير مشغول بسؤال النهضة محب لتراثنا و مؤمن بضرورة الانفتاح على الافق الانساني الارحب

مدة القراءة: 4 دقائق

تضرع طاغية


جسده ضخمٌ و لكـنه منهك :

    مــدّدوه على فراش أبيض ، زرعوا في ذراعيه ابرا معدنية كثيرة تضخ في جسده ، على مدار الساعة ، أدوية مختلفة و مغذيات ، ذراعاه الضخمتان الصلبتان القاسيتان ، ممدّدتان الى جانبيه ، يداه الغليظتان مقبوضتان ، بالكاد مقبوضتان ، بقوة الخوف و التوتر مقبوضتان .

   أحنى رأسه بصعوبة الى الأسفل ، فتح  كفه اليمنى ببطء شديد ، نظر اليها ، ازدحمت مخيلته بصور كثيرة ، رنت في أذنيه أصوات مختلفة ، امتلأت رئتاه بروائح  حاده ؛ انها تفاصيل لوقائع قديمة جدا و لكنها عادت طازجة حية ؛ بدا له و كأنها حدثت للتو : أصوات رعب صـمـت اذنيه ، روائح دم زكمت أنفه ، وجـوه ضـحاياه سـيـطـرت على مخـيـلـته ...

أشـاح بـوجهـه عن يـده ، أعـاد رأسه الى الأعلى بصعوبة ، و حاول تحرير نفسه من طغيان هذه المشاهد .

جسده ضخم ، و لكنه ضعيف :

   على صدره العريض الصقوا أسلاكا كثيرة ، الأسلاك مربوطة الى شاشة معلقة فوق رأسه ، الشاشة مزدحمة بأرقام و رسومات لم يفهم منها شيئا الا معنى صورة واحدة : صورة ترمز الى القلب ، انها تشير الآن الى حالة قلبه ، قلبه الذي وصف بالميت !  و كيف لا يوصف بصاحب القلب الميت من سمع العشرات يتضرعون اليه خوفا و رعبا دون أن يهزه ذلك ؟ .

آه يا قلبي - قال في نفسه - ثم شعر بأعياء شديد ، ارتخت يداه ، مال برأسه ، و أغمض عيناه ، سمع صوتا حادا كأصوات الانذار يصدر عن الشاشة المعلقة فوق رأسه ، أحس بحركات سريعة حوله ، فتح عيناه بصعوبة فشاهد عددا كبيرا من الاطباء و الممرضات يلتفون حوله ، ثم تلاشت الصور و اختفت الأصوات ...

جسده ضخم ، و  لكنه عاجز :

   بعد أيام أفاق من غـيـبـوبته ، انها المرة الثالثة التي يتوقف فيها قلبه ، في كل مرة كان يمكن أن يموت ، أرعبته الفكرة ، آه من هذه الصور و الهواجس و الظنون التي تلاحقه منذ شهر ، شهر كامل هي الفترة التي قضاها ممدا على هذا السرير اللعين ، ذي اللون الأبيض المقرف ، شهر واحد هو تاريخه المرضي كله ، لم يزر يوما طبيبا ، بل لم يأخذ طيلة حياته حبة دواء واحدة ، فما الذي جرى ؟

انقلوني الى الخارج لا فائدة يا سيدي – ارجوكم سامحوني على صراحتي - و لكن وضعكم لا يسمح   استدعوا اذن أفـضـل الأطباء ، أكثرهم علما و خبرة ، اسـتـوردوا آخر المستلزمات ، أنفقوا من ثروتي - علي - بلا حساب . فعلنا ذلك يا سيدي فعلنا ، و لكن ، لكن لا بد من الانـتـظـار ... انتظار ؟! ...  انتظار ماذا ؟ ... انتظار ... انتظار من ؟ من ؟ .

                                                                         ***

نظر من النافذة القريبة ، رفع رأسه الى السـماء ، و تذكّــر الله ، منذ عـقـود لم يذكُــر الله الا في المخاطبات الرسمية ! ، منذ سنوات لم يذَكَّــره به أحد ، الا أمه ، كانت تقول له دائما :

( اتق الله و احذر من دعوة المظلوم )

المظلوم ، ترى هل اشتكاني أحد أعدائي الى الله ؟

( لا شك في ذلك يا بني ، لذلك ليس لك الا الله ؛ استغفره و تب اليه )

امي ؟!

تلفت حواليه ، بحث في أرجاء الغرفة ، لا أحد ،

هل جـنـنـت ؟!  لا شك أني جننت ! لقد ماتت أمي منذ سنوات ، آه يا أمي ، آه لو كنت حية لعلمتني ماذا أقول لله ؟

لم يجبه الا الصمت ، صمت مخيف مرعب !

نظر ثانية من النافذة ، رفع رأسه الى السماء ، و قال :

جيش من أكفأ المُـمَـرّضـيـن يـَسْـهَـرون على راحتي  ، أعلم الأطباء في خدمتي ، عشرات الأدوية دخلت جسدي ، و كل ذلك بلا فائدة !

 ما أعجزني ؛ أموالي طائلة و لكني فقير ، رجالي كثيرون و لكني بلا نصير ، ما أعجزني ،

يا رب : نحن الفقراء و انت الغني ، نحن الوضعاء و انت العلي ، نحن الجهلاء و انت السميع البصير الخبير العليم ،

يا رب : نحن العاجزون و انت القادر ، نحن الناقصون و انت الكامل ، نحن القساة  العصاة و انت الغفور الرحيم ،

يا رب : اغفر لي و ارحمني ، و أكرمني بالشفاء ،

يا رب : لئن أنجيتني من هذه لأكونن من الصالحين الشاكرين .

                                                                       ***

بعد أسبوعين قالت الصحف :

أطباؤنا يمنحون الزعيم حياة جديدة

الأفراح تعم البلاد باستواء الزعيم على عرشه من جديد

الزعيم يأمر باعتقال المفسدين في الأرض ، و اعدام المتمردين على أمره ... !

ع
علاء حسام هلال
179 متابِع10 يتابع

مدمن على القراءة مهتم بالتاريخ و الفكر عاشق للروايه و السير مشغول بسؤال النهضة محب لتراثنا و مؤمن بضرورة الانفتاح على الافق الانساني الارحب

مدمن على القراءة مهتم بالتاريخ و الفكر عاشق للروايه و السير مشغول بسؤال النهضة محب لتراثنا و مؤمن بضرورة الانفتاح على الافق الانساني الارحب

صورة ترويجية لتطبيق أكتب على الهاتف

انضم الى اكتب

منصة تدوين عربية تعتد مبدأ البساطة في التصميم و التدوين

التعليقات

تدوينات اخرى للكاتب

مأساة "عليش" !

مدة القراءة: دقيقتين

لا تقل لأمي بأنني صرت أعمى !

مدة القراءة: 3 دقائق

أجراس الله ! خواطر صوفية من وحي الحالة الجوية

مدة القراءة: 3 دقائق