العثمانيون: احتلال أم خلافة؟
العثمانيون: احتلال أم خلافة؟
صغت عنوان المقال لجذب انتباهك فحسب أيّها القارئ العزيز، فإنني لا أهتم كثيرًا بصياغة ألفاظ تهدف إلى الشيطنة أو إلى إضفاء الملائكية على الأطراف التي صنعت التاريخ، ولكن لا يعني ذلك بالطبع أنني سأغفل الحديث عن العثمانيين كدولة حكم إسلامية وغير عربية استمرت لقرون و عمّ في كثير من أيامها الخير في المناطق التي خضعت لحكمها، ولكنها لما سقطت أخيرًا انهار معها الحكم الإسلامي بالكلية، وتفتتت المراكز الحضارية التابعة لها تمامًا، فلم تنتج رجالًا قادرين على وراثة الحكم من العثمانيين ولا أنتجت مجتمعات قوية متماسكة قادرة على الاستمرار في إثراء الحضارة الإنسانية، ويجدر بالذكر أننا حين نتحدث عن الدولة هنا فالمقصود بها المعنى العربي، من التداول، وليس الترجمة المعاصرة التي تصف "الدولة القومية الحديثة".
كنت دائمًا أشعر بأن ثمة خصوصية للدولة العثمانية تحديدًا، منذ كنت أدرس الحقبة الإسلامية في مادة الدراسات الاجتماعية في مصر وفي مادة التاريخ في المملكة السعودية، وحينها لم يكن ثمة رواج للفظة "احتلال" أو إلحاح في محاولة إلصاقها بالعثمانيين، فكان اللفظ المعتاد هو الخلافة، مثلها مثل دولة الأمويين ودولة العباسيين ودولة الموحدين، ومع ذلك كانت الخصوصية حاضرة دائمًا، لا تظهر في الكلمات أثناء الحديث ولكن تظهر في ملامح المتحدث ونبرة صوته وحركات جسده، وأوحى لي كل ذلك حين تكرر أمامي باختلاف المتحدثين ومشاربهم الثقافية والفكرية أنها لم تكن دولة خلافة مثلها مثل غيرها كما تحدثت عنها الكتب الدراسية. ولكن لم أتمكن من وضع يدي على مكمن الاختلاف لفترة طويلة، فظننت أنه ربما بسبب أنهم أول خلافة تحكمنا من غير العرب، واكتفى عقلي بذلك التفسير مؤقتًا.
ولكن للطفولة سحر خاص، وفي سحرها تكمن أهميتها، فهي لا تفارق الإنسان حتى آخر أيامه، تلح عليه دومًا، وتذكره بأفكارها البسيطة والحالمة، وبأسئلتها غير المجابة طوال العمر. فكانت إشكالية الحكم العثماني دائمة الإلحاح، خاصة حين بدأ من جديد الحديث عنها باعتبارها احتلالًا، والسجال الناتج عن ذلك مع من يعتبرونها خلافة إسلامية راشدة، والمبارزة بالروايات التاريخية المختلفة والقرائن والحكايات التي يدلّل بها كل فريق على سلامة ادعاءاته. ورغم أن غالبية حججهم لم تجب عن أسئلتي، فإن تلك الحكايات التاريخية كانت مادة ثرية، واعتمدت على المتضارب والمتماثل منها في محاولة فهم المشكلة، أي سر الاختلاف على الحكم العثماني تحديدًا بيننا كشعوب عربية، ولم لا نستطيع أن نحسم الأمر فيما يتعلق بموقفنا منها. احتلال أم خلافة!
وكانت أسئلتي في غالبها غير معنية بالتسمية، ولكنني كنت معنية بمحاولة فهم أسباب تراجعها، لا لاهتمامي بفهم أسباب تراجع أنظمة الحكم وزوالها بشكل عام فحسب، ولكن لأن خصوصيتها في نظري ارتبطت بانهيار مفهوم الحكم كما أسسه العرب المسلمون، فبزوالها زالت دولة الإسلام بالكامل، ووجدنا أنفسنا في عصور مشوهة، تتخبط فيها المجتمعات العربية المسلمة تخبطًا مرعبًا، ولا تكاد تدرك حاضرها ولا ماضيها، ومن ثم فلا سبيل لها لصياغة مستقبلها. أردت أن أفهم سبب انهيارنا المدوي، وأدركت بعد بحث أن الحكم العثماني لم يكن مثله مثل الحكم الراشد أو الأموي أو العباسي، ولا الأيوبي أو المملوكي، فالدولة الإسلامية ارتكزت في بنائها على الأسس التي رسخها الرسول في المدينة، وهي أسس مرجعيتها تعاليم الإسلام وتوجيهاته العامة والخاصة، ولكنها كذلك ارتكزت على العلوم التي اكتسبها العرب من الفرس، علوم الدولة وإدارتها إلى جانب علوم الفلسفة والطبيعة، فحين توسعت رقعة الدولة الإسلامية وامتدت في عهدي الصديق والخطاب، رضي الله عنهما، كان أول ما فتحه خالد بن الوليد بلاد فارس، الفتح الذي انهارت بفعله الإمبراطورية الفارسية التي كانت في أنفاسها الأخيرة بالفعل، وكان أول ما تعلمه العرب من الفرس أدوات الحكم وإدارة المساحات الشاسعة، فالأسس كانت إسلامية كما أسسها الرسول، صلوات الله عليه، ولكن الأدوات كانت فارسية ممزوجة بالفكر الإغريقي والمصري القديم الذي آوته وحفظته وترجمته وعكفت عليه عقول الفرس حين هرع إليها الهاربون من المحارق الرومانية التي امتدت لتصل إلى أطراف العالم القديم، ولم تمتنع إلا على أطراف دولة الفرس التي كانت الند الوحيد لها حينها، والتي كانت تمتاز بالتسامح الديني والعرقي، والتي كانت، على عكس الإمبراطورية الرومانية، لا تهدف إلى استعباد المناطق التي تبسط عليها نفوذها، وإنما كانت تؤمن بالإبقاء على المكونات الأصيلة لتلك المناطق والحفاظ على حكم شبه ذاتي لها، مع بقائها على رأس السلطة فيها، وحين ورث العرب كل ذلك الإرث المتراكم بعد هزيمة الفرس، كانوا أحرص الناس على الترجمة والتعلم، تدفعهم إلى ذلك منظومتهم الإيمانية التي تدعوهم إلى التعلم والنظر والتفكر، فتأسست منظومة للحكم تحرص على بناء مجتمعات قوية وفاعلة، لا تسعى فيها الدولة إلى الهيمنة المطلقة أو حتى شبه المطلقة، إنما أوجدت توازنًا دقيقًا بين دور المجتمع ودور الدولة، يرتكز على المجتمعات المختلفة ويبني قوتها ببناء منظومتها العقائدية والفكرية المستقاة من الدين، ولا يتغول على خصوصيتها الثقافية وإرثها الحضاري، بل يستغله في معاونته على استقرار حكمه، ولا فرق في ذلك التوازن بين فترات مظلمة، كزمن الفتنة الكبرى أو الشدّة المستنصرية، أو الفترات المضيئة كخلافة عمر بن عبد العزيز أو هارون الرشيد، ولا بين مراحل الازدهار ومراحل التردي، فالمنظومة قائمة وفاعلة، والمجتمعات مستنفرة وقادرة دومًا على إفراز قيادات جديدة وبناء أنظمة حكم جديدة تستطيع الأخذ بزمام الأمور عند انهيار النظام السابق.
أسوق تلك المقدمة التاريخية لأدلل بها على الأسس التي قامت عليها الدولة الإسلامية تحت الحكم العربي، ومدى اختلافها عن تلك التي أقامت بها الدولة العثمانية إمبراطوريتها، وأبدأ بمعالجة ذلك اللفظ أولًا، الإمبراطورية، فكانت الإشارة إلى الدولة العثمانية أحيانًا بالإمبراطورية العثمانية ممّا أثار انتباهي كذلك، وذلك لفظ لا يتحرج المدافعون عنها ولا المتحاملون عليها من استخدامه في وصفها عادةً، ولكنهم جميعًا لا يصفون الدولة العباسية بذلك مثلًا، رغم أنها كانت الأعظم والأوسع مساحة والأكثر ازدهارًا قبلها، كان ذلك الوصف من حظ الحكم العثماني وحده، ووجدت في ذلك الإجماع بداية للإجابة عن سؤالي القديم، فهو وصف دقيق، على عكس كلمتي "الاحتلال" و"الخلافة"، وذلك لأن العثمانيين سعوا إلى بناء نظام حكم على غرار الإمبراطورية الرومانية، وأرادوا أن تكون القسطنطينية، عاصمة الدولة الرومانية سابقًا، هي العاصمة الجديدة لهم، ولم يستلهموا النموذج الفارسي المتسامح والمتناغم والمؤمن بالحكم الذاتي وتقوية المجتمعات، الذي أصبح في صورته المعاصرة نموذجًا عربيًا، بل كانت أعينهم على النموذج الروماني المهيمن والقمعي، تحديدًا بعد الهزائم التي تتابعت على العالم العربي الإسلامي بيد الصليبيين، كان الترك يرون أنفسهم أعلى همّة وأوسع حيلة من الآخرين، ويرون العرب وغيرهم أقل شأنًا منهم، وأكثر تسامحًا ممّا ينبغي، وبالتالي فإن هزيمتهم تصبح أسهل، فصلاح الدين، الكردي المحسوب على العرب ومنهجهم في الحكم، لم يكن في نظرهم بطلًا ببساطة، بل كان بطلًا ينقصه الحزم وقوة الشكيمة، أجل، استطاع هزيمة الصليبيين في بطولة مذهلة، ولكنه لم يهتم ببناء نظام حكم قادر على الصمود في وجه أطماعهم من بعده. كان الدرس الذي تعلّمه العثمانيون هو الاعتماد على بناء القوة العسكرية لردع الأوروبيين، وفرض الهيمنة على العرب أصحاب القلوب الرقيقة، محبي التجارة مع الغرب والمؤمنين بالتسامح والتفاهم وإبرام الهدن واستعمال القوة عند الحاجة فحسب، ففي نظرهم ذلك النموذج لم يفرز إلا الانقسامات والتفتت، وعرّض الأمة في النهاية إلى الغزو الخارجي.
نتج عن ذلك رؤية مختلفة تمامًا للدولة التي بناها عثمان الغازي، لا تشبه دولة العرب كثيرًا، تستلهم تعاليم الإسلام إلى حد كبير، ولكنها تتبنى بناء القوة المفرطة وأدوات الردع الحاسمة، وتحتقر القيم التي اعتبرتها عربية لا إسلامية، أو تضعها في مرتبة ثانوية في أفضل حالاتها، ولا تهتم ببناء المجتمعات القوية القادرة على إدارة نفسها بنفسها، بل تجند نخب تلك المجتمعات وتخضعها للوالي العثماني مباشرة، وتجعل من جباية الأموال بغير الحق منهجًا لها، وتضع منظومة عقابية شديدة الصرامة في العديد من المناطق، فلم يعد الحاكم يستهدف الإبقاء على المجتمعات قوية لتعينه على الحكم وتضمن قدرتها على الاستمرار من بعده، بل أصبح يسعى إلى قمع تلك المجتمعات حتى لا تجد له ولحكمه بديلًا.
لا أريد أن يفهم من ذلك أنني أتبنى رؤية الفريق المعادي للحكم العثماني، الذي يعتبره احتلالًا، فبإمكاني في سياق آخر التحدث بإسهاب عن مزايا الحكم العثماني والإشادة بمبدأ بناء القوة والردع الذي تبناه فجعل منه إمبراطورية منيعة وقوية ترتعد منها فرائص الأوروبيين، والذي نجح بالفعل في الحفاظ على تماسك تلك المساحة الشاسعة ومنع انقسامها إلى دويلات كما حدث في النصف الثاني تقريبًا من زمن الحكم العباسي، بل وأستطيع أن أتحدث عن بعض المزايا الداخلية للحكم العثماني في مصر والشام، وعن نظام التكايا والسبل التي ازدهرت أيما ازدهار، بل وعن أحواض ري الدواب التي انتشرت في ربوع العالم الإسلامي، ولكن ما يعنيني هنا هو البحث عن أسباب انهيار العالم العربي والإسلامي بأكمله بانهيارها، فتلك الإمبراطورية التي قامت على التمييز العرقي للترك فوق العرب والأكراد وغيرهم، بل والتمييز المذهبي كذلك في كثير من الأحيان، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ بعثة خاتم النبيين، والتي قامت على التفكيك البطيء للبنى الاجتماعية وإخضاعها للوالي العثماني وسلطته المطلقة، بل وهيمنتها على المحاكم الشرعية، وإنشائها نظام الالتزام الذي مكنها من غرس أظافرها بقوة في لحم المجتمعات الحضارية حتى أنهكتها. أدّعي أنا أن ذلك النظام لم يعتمد إلا قليلًا على نهج من سبقوه، وأنه استلهم تجربة كانت الأسوأ والأكثر بطشًا في التاريخ، ورغم أنني أدّعي أن إسلاميته هذبته قليلًا، فلم يصل مقدار بطشه وسفكه للدماء الحد الذي وصلته الإمبراطورية التي ألهمته في الحكم، فإنه وضع أسسا جديدة ومختلفة تمامًا عن جميع من سبقوه في حكم العالم الإسلامي، فصنع مزيجًا مشوهًا من الحكم، لم يحافظ على استمراره لقرون سوى شقّه الذي اهتم بمراكمة القوة وبسط النفوذ والردع، والذي مكنه من السيطرة على حركة التجارة في الممرات العالمية الهامة وبالتالي السيطرة على تدفق السلع والأموال في العالم القديم بأكمله، إلا أنه حين علا عليه البحر انهار حتى التفتت، وترك من خلفه مجتمعات منهكة وغير قادرة على الإبداع أو الاجتهاد أو التحلّي بالمبادرة، فالمجتمعات التي اعتادت الخضوع والتبعية والتي فقدت قدرتها على الاجتهاد في دينها وفي دنياها لا تقدر على إفراز رجال كنور الدين بن زنكي أو أسد الدين شيركوه أو صلاح الدين الأيوبي، وبالتالي لم تقدر على تقديم بديل له بعد غيابه، فذابت تمامًا في أحضان المستعمر بعد أن انهزمت جميع محاولات المقاومة الباسلة.
ولأجل كل ذلك لست مهتمة بإضفاء صفة الاحتلال أو الخلافة على الحكم العثماني ولا يعنيني ذلك الجدل الإسلامي العلماني الدائر، فما يعنيني هو دراسة أسباب تشرذمنا وخضوعنا وهواننا، بل إنني معنية بإنهاء ذلك الجدل العقيم الذي لا يؤدي إلا إلى تعميق الخلافات السطحية وانشغال طاقاتنا في البحث عن أهداف سهلة ومعارك آمنة عن فهم أنفسنا وما يصلحها، وما يصلح مجتمعاتنا ويقويها ويجعلها أكثر تماسكًا وصلابة في مواجهة التحديات، بل والسعي إلى فهم الخلل الذي أصاب نفوسنا ففترت همتها واختارت الركون إلى المعارك الداخلية الآمنة. أصبحت مجتمعاتنا تائهة وتفككت إلى جزر منعزلة لا يكاد يعرف أحدها الآخر قدر معرفته بثقافة المستعمر، ولا يلتمس فيها طرف العذر لآخر بقدر ما يلتمس العذر للمستعمر في قتلنا ودهسنا والتنكيل بنا. مجتمعاتنا الخامدة والسائلة والتي تعتز بسيولتها وتفخر بها، فلا تكاد تتفق على قيم جامعة لا ينبغي الحياد عنها. لذلك أهتم بفهم خصوصية الدولة العثمانية وخصوصية انهيارها وأسبابه، فتفكك تلك المجتمعات بدأ بها، وتعاظم مع محمد علي، واليها في الشام ومصر قبل استقلاله بهما، وترسخ باستمرار أسرته في الحكم من بعده، حتى وصل إلى قاعه السحيق الآن، ولا أرى مفرًا من البقاء في القاع إلا التخلي عن الصراعات والمكايدات والتفاهات في سبيل البحث الجاد ومحاولة الفهم والدفاع عن بناء المجتمعات وإقامة العدل فيها، فإن كان ثمة درس نتعلمه من تجربة الدولة العثمانية فلن يتعلق بالجدل حول وصفها احتلالًا أم خلافة، استنادًا إلى البحث في مسائل العرقيات أو بعض الممارسات، بل بفهم أن منهجها التمييزي والقمعي هو الذي أدى إلى استجابة أغلب شعوب المنطقة إلى دعاوى القومية القطرية، وإلى تبنيهم رؤية المستعمر وثقافته، فسياسات الحكم العثماني هي السبب الأول وراء نزوع الدويلات إلى الاستقلال عن حكمهم وبناء قوميات قطرية يحكمها أبناؤها بعد صبر طويل على القمع والتمييز تحت مسمى "الخلافة"، خاصة بعد أن أصبحت تلك الخلافة نفسها توالي الأفرنج وتعاونهم على نهب ثرواتها ومص دمائها. الدرس الذي ينبغي انتزاعه هو أن القوة المادية وحدها، رغم ضرورتها، لا تكفي لحماية أي دولة مهما تعاظمت، وأن سلاحها الأقوى هو بناء أمة عفيّة، لا فضل فيها لعرق على آخر، ولا سبيل إلى ضياع الحق والعدل فيها، أمة تدير مواردها وتبني هويتها، وتمتلك من الصلابة النفسية والعقلية ما يجعلها قادرة على الإبداع والاشتباك والمواجهة.
