زدني
زدني...
هُوَ المَوتُ ما منهُ ملاذٌ وَمهربُ
متى حُطَّ ذا عن نَعشهِ ذاكَ يَركبُ
نُشاهدُ ذا عَينَ اليَقينَ حَقيقَةً
عَلَيهِ مضى طِفلٌ وَكهلٌ وَأَشيَبُ
وَلكن عَلى الرانِ القُلوبُ كَأَنَّنا
بِما قد عَلمناهُ يَقيناً تُكذِّبُ
نُؤَمِّلُ آمالاً وَنرجو نِتاجَها
وَعلَّ الرَدى مِمّا نُرَجّيهِ أَقرَبُ
وَنَبني القصورَ المُشمخِرّاتِ في الهَوى
وَفي عِلمِنا أَنّا نَموتُ وَتَخرَبُ
وَنَسعى لِجَمعِ المالِ حِلّاً وَمَأثَماً
وَبِالرَغمِ يَحويهِ البعيدُ وَأَقرَبُ
نُحاسَبُ عنهُ داخِلاً ثمَّ خارجاً
وَفيمَ صَرَفناهُ وَمن أَينَ يُكسَبُ
وَيَسعدُ فيه وارِثٌ مُتَعَفِّفٌ
تَقِيٌّ وَيَشقى فيه آخرُ يَلعَبُ
إلى أن قال :
إِلى اللَهِ نَشكو قَسوَةً في قُلوبِنا
وَفي كُلِّ يَومٍ واعِظُ المَوتِ يَندُبُ
وَلِلَّهِ كم غادٍ حَبيبٍ وَرائحٍ
نُشَيِّعهُ لِلقَبرِ وَالدَمعُ يُسكَبُ
أخٍ أَو حميمٍ أو تَقيٍّ مُهذَّبٍ
يُواصِلُ في نُصحِ العِبادِ وَيَدأَبُ
نَهيلُ عَليهِ التُربَ حَتّى كَأنَّهُ
عَدوٌّ وفي الأَحشاءِ نارٌ تَلَهَّبُ
رحم الله الشاعر محمد بن عثيمين قال هذه القصيدة في رثاء صديقه عبدالله العجيري رحمه الله … وكأنه يرثي زميلنا وحبيبنا ( عبدالله بن ابراهيم بن حمود النغيمشي ) رحمه الله وأعلى منزلته .. ولذا أوردت كثيرا من أبياتها التي تصف الحال ببليغ المقال…
وهذا أوان القول في ( زدني ) ..!!
وذلك أني كنت كثير المراسلة بالواتس لأبي سلمان رحمه الله .. وكلما أرسلت له مقطعاً قرآنياً أو فائدة حديثية أو تفسيرية أو متضمنة من كلام الأئمة الأعلام … كتب لي : زدني …
أي زدني من هذا الجمال وهذه الفائدة، وهذا العلم ..
وكان رحمه الله يقرأ جميع مايصل إليه ويتفحصه ويتأمله ويعلق عليه ويتأثر به ..
ثم جاءني خبر وفاته - رحمه الله - وكنت قد راسلته بالأمس
وكان ملء السمع والبصر
ثم تخطفته يد المنون ..
وذهب الحبيب الطيب
الضحوك .. المعتبر …
ذهب في حادث سيارة …
اللهم إننا لانعترض على قضائك
وقدرك …
وإن خبر وفاته عز والله علي مسمعه، وأثر في قلبي موقعه.
خبر، أحرج صدري، وأحل بكائي، وحرم صبري، اللهم لا حول ولا قوة إلا بالله وحده.
وحضرت جنازته وتبعتها إلى المقبرة:
دفنتُ بكفي بعض نفسي فأصبحت...
وللنفس منها دافن ودفين
وشاهدت الناس والحزن يعتري ملامحهم والوجوم يخيم على وجوههم
وعذرهم الخبر الصاعق الذي نزل عليهم، فإنا لله وإنا له راجعون.
ماَ يدفَعُ الموْتَ أرجاءٌ ولاَ حرَسُ
مَا يغلِبُ الموْتَ لاَ جِنٌّ ولاَ أنسُ
مَا إنْ دَعَا الموْتُ أملاكاً ولاَ سوقاً
إلاَّ ثناهُمْ إليهِ الصَّرْعُ والخلسُ
للموتِ مَا تلدُ الأقوامُ كلُّهُمُ
وَللبِلَى كُلّ ما بَنَوْا، وما غرَسُوا
هَلاَّ أبَادِرُ هذَا الموْتَ فِي مَهَلٍ
هَلاَّ أبَادِرُهُ مَا دامَ لِي نفَسُ
يا خائفَ الموتِ لَوْ أمْسَيْتَ خائِفَهُ
كانتْ دموعُكَ طولَ الدّهرِ تنبجِسُ
أمَا يهولُكَ يومٌ لا دِفَاعُ لَهُ
إذْ أنتَ فِي غمراتِ الموْتِ تنغَمِسُ
رحمك الله أبا سلمان فقد كنت ذخرا لإخوانك بكلماتك والبشرى التي تحملها معك دائما والابتسامة التي لاتفارق محياك…
في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ
أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ
قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا
عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا
تعرفت على أبي سلمان معلماً في حفر الباطن في عام ١٤١٤هـ
وكان قد تخرج من كلية الشريعة وأتم حفظ القرآن الكريم ..
وكانت لنا معه جلسات ممتعة
ولقاءات رائعة ..
وسمر ممتد ، وهموم واحدة ..
وكان في ثانوية القيصومة
فكان يعمل مع زملائه في ميدان التربية والتعليم بكل جد واهتمام ..
ثم انتقل للقصيم واستمر على نهجه القويم وسنته الجميلة
حتى تقاعد مبكرا من العمل ..
فلازم مصحفه وكتبه
وكم كان يراسلني عن مشاريعه العلمية
ورؤاه التأليفية
وكان ذكيا حاد الذكاء
يغوص إلى أعماق الموضوع برفق
وروية …
هي الصدمة الأولى فمن بان صبره
على هول ملقاها تضاعف أجره
ولابد من موت وفوت وفرقة
ووجد بماء العين يوقد جمره
كيف لي أن أعزي والده المكلوم
وقد فجع قبله بابنه الأصغر محمد بحادث سيارة …
جبر الله المصاب وخفف اللوعة
وردم حفر الحزن الممض
وهون المصيبة وربط على القلوب
أحقاً رأيتَ الموتَ دامي المخالبِ
وفي كلِّ نادٍ عصبةٌ حولَ نادبِ
وتحتَ ضلوعِ القومِ جمرٌ مؤججٌ
تسعر ما بينَ الحشا والترائبِ
وفي كلِّ جفنٍ عبرةٌ حينَ أرسلتْ
رأوا كيفَ تهمى مثقلاتُ السحائبِ
أبى الموتُ إلا وثبةٌ تصدعُ الدجى
وكم ليلةٍ قد باتها غيرُ واثبِ
رحمك الله أبا سلمان فقد أتى خبر وفاتك "كومضة برق لفّها الليل، وقطرة الندى شربتها الشمس، وورقة الشجر أطاحها الخريف، ثم لا يبقى من هذا القلب الجياش، وهذا الشعور المرهف، وذلك الذهن الولود، إلا كما يبقى من النور في العين، ومن السرور في الحس، ومن الحلم في الذاكرة"
أكتب هذا وكأني في حلم … نعم لابد أن استيقظ وأرى أخي العزيز الحبيب عبدالله بن ابراهيم بن حمود النغيمشي …
يقول الرافعي - رحمه الله :
وبعدَ الموتِ يقولُ النَّاسُ أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهمْ، إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدوًّا ، وتخلُصُ معاني الصَّداقة بفقدِ الصَّديق، ويرتفعُ الحسدُ بموتِ المحسود، وتبطُلُ المجاملةُ باختفاء من يجاملونه، وتبقى الأعمال تنبِّهُ إلى قيمةِ عاملِها، ويفرَغُ المكانُ فيدلُّ على قدْر من كان فيه، وينتزعُ من الزّمن ليل الميت ونهاره، فيذهبُ اسمهُ عن شخصِهِ ويبقى على أعماله.
ومن هنا كان الموتُ أصدقَ وأتمَّ ما يُعَرِّفُ النَّاسَ بالنَّاسِ، وكانت الكلمةُ بعده عن الميت خالصةً مصفّاة لا يشوبها كذِبُ الدُّنيا على إنسانها، ولا كذِبُ الإنسانِ على دنياه، وهي الكلمةُ التي لا تقالُ إلَّا في النِّهاية، ومن أجلِ ذلك تجيء وفيها نهايةُ ما تُضمرُ النَّفسُ للنَّفس.
نحن في غفلة … في حلم … لذيذ مخدر …. ثم تأتي اليقظة …
إنها الحقيقة التي نغفل عنها :
الحياة حلم يوقظنا منه الموت.
أكتب وأمحو وأسعى أن أبين عن مدى حزني وأساي على فقد أبي سلمان فيندر مثاله في الناس فمعرفته أنس ووجوده طمأنينة وغيابه حسرة ولوعه وأجدني أكثرت من مقول الشعراء لعلها أن تحكي بعض ما في نفس ولما.
اللهم أحسن منقلبه وأعل درجاته في جناتك جنات النعيم
واخلفه في عقبه في الغابرين واجبر مصاب والديه وزوجه وولده واربط على قلوبهم وأنزل علينا وعليهم السكينة والطمانينة والرضى وصل على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
أبومحمد
عبدالرحمن بن محمد الوليعي
1447/4/8 هـ
