وداعاً
وداعاً …
وداعاً وخلف النعش باك ومطرق
وقلبي من هول الفجيعة مرهق ..
وداعاً ..
يا أمنا وخالتنا وقدوتنا …
وداعاً …
هكذا مررت على هذا الدنيا:
سحابة مثقلة بالغيث العميم
من الصبر والتضحية
والجهد والكدح
والإيمان واليقين
ونشر البهجة
ومداومة الابتسام ..
وماعند الله - وهو الكريم- خير لك مما عندنا …
ولكننا نبكي ونحزن ولا نقول - بحمدلله - إلا مايرضي الرب تبارك وتعالى ..
(فإذا بكينا الميت فما بكينا ذهابه عنا ، ولكنا نبكي لبقائنا بدونه)
هكذا يقول أديب العربية الرافعي
وقد صدق ..
وهذا سبيل الحياة :
وهذه قِصَّةُ الدُّنيا
رحمك الله وأعلى منزلتك يا أم عبدالله
رحمك الله …
لقد أصبحنا بعدك أيتاما :
سَلُوْنِي أُحَدِّثْكُمْ عَنِ اليُتْمِ بَعْدَهَا
فَإِنَّ اليَتِيمَ الكَهْلَ أَعْرَفُ بِاليُتْمِ
نعمْ نعمْ لضفافِ الخُلْدِ رحلتُنا
نلقى بها مِنْ جديدٍ كلَّ مَنْ ماتوا
هيلة بنت عيد بن ناصر اليحي
ويختصر اسمها كثيراً فيقال :
هيلة العيد …
قالته هيلة العيد
ذكرته هيلة العيد
أوصت به هيلة العيد …
تاريخ طويل ممتد
وعمل وجهد مضن
منذ أن ولدتها أمها( نورة الفوزان ) ثم ماتت بعدها بقليل فلم تعرفها …
تنقلت بين الحواضن
فكثرت مرضاعتها .....
ثم إلى مرضعتها الكبرى وأمها الثانية :
فاطمة العلي الضبيب " باردة العيش "
ثم عودتها لوالدها
ثم الجدري والذي لم يفارقها حتى أخذ إحدى عينيها ..
ثم وفاة والدها
ثم عمل وكفاح مع أخيها " يحيي "
ثم زواجها وهي صغيرة جداً من ( سليمان بن عبدالله بن سليمان المطرودي ) رحمه الله
وانتقالها إلى ( برزة )
وولادت أولادها وبناتها
وكفاح ومشقة
وكد وجهد ..
وحنو أخواتها عليها وهن أكبر منها
وكذلك معلمتها الأولى عمتها ( لولوة بنت ناصر اليحيى ) رحمها الله
وكيف زرعت فيها الدين والعلم وخسن التوكل واليقين ..
( وقد أخبرتني مراراً - رحمها الله - أنه قد حضر رجل من أهل الزلفي قديما يسأل عن لولوة الناصر ويقول قد جاءني رجل في الرؤيا يقول بشرها بالجنة )
ثم انتقالها مع زوجها إلى مزرعة ( قصر ابو موسى ) في جنوب الشماسية
وهي الكريمة الباذلة المعطاءة رحمها الله ..
وفي آخر المطاف انتقالها إلى بيتها في الشماسية
ومرض ابنها الأكبر ( عبدالله ) ووفاته
وكيف كان حزنها عليه ..
ثم وفاة زوجها ابو عبدالله
وقد علمت أن نهايتها قد اقتربت ...
وأن شمسها على أطراف العُسب ....
وقبل ذلك الأمراض الكثيرة التي أصيبت بها ، والعمليات التي أجريت لها ، وهي صابرة محتسبة ..
ثم دخولها في غيبوبة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر ووفاتها رحمها في يوم الجمعة ١٤٤٧/٣/٢٧ هـ
رحمها الله وأعلى منزلتها ..
وهي بين ذلك في مصلاها وسجادتها لاتفارقها أبداً …
صاحبة إنفاق وصدقة
وذكر وتبتل :
تذكَّرتُ الدعاءَ وكنتِ نورًا
يضيءُ الليلَ في زمنِ السُّجُودِ
رحمك الله يا أم عبدالله …
ورحم الله زوجك أبو عبدالله …
كنتُ إذا زرته قال :
سلمت على خالتينك ..؟؟!¡!!!
يقصد أنها خالتي من الرضاع وأم زوجتي
وذهب القائل وذهبت المقول فيها
ونحن على الطريق ..
وفقد الأبوين شديد عصيب :
اِنظُرِ الكَونَ وَقُل في وَصفِهِ
كُلُّ هَذا أَصلُهُ مِن أَبَوَين
فَإِذا ما قيلَ ما أَصلُهُما
قُل هُما الرَحمَةُ في مرحمتين
وَهُما العُذرُ إِذا ما أُغضِبا
وَهُما الصَفحُ لَنا مُستَرضِيَين
لَيتَ شِعري أَيُّ حَيٍّ لَم يَدِن
بِالَّذي دانا بِهِ مُبتَدِأَين
ما أَبي إِلّا أَخٌ فارَقتُهُ
وُدُّهُ الصِدقُ وَوُدُّ الناسِ مَين
طالَما قُمنا إِلى مائِدَةٍ
كانَتِ الكِسرَةُ فيها كِسرَتَين
وَشَرِبنا مِن إِناءٍ واحِدٍ
وَغَسَلنا بَعدَ ذا فيهِ اليَدَين
وَتَمَشَّينا يَدي في يَدِهِ
مَن رَآنا قالَ عَنّا أَخَوَين
ورحمها الله هي كانت أماً عظيمة
لأبنائها وبناتها وأحفادها جميعاً
وللناس جميعاً ..
لو سمعت أن رجلا أو إمرأة ذات حاجة
لم تنم حتى تتصل على من تعرف من أهل العطاء في القصيم والرياض
وتذكر لهم - وهي موثوقة - حالتهم ....
ولا تقف حتى تنهي أمرهم ..
ولذلك كثيرا ماتشاهد النساء المحتاجات حولها ..
كثيرة السؤال عن أحوال الناس
كأنها قد وكلت بهم ..
ومن صفاتها الجميلة المحمودة
سعة صدرها
ودوام بشرها وابتسامتها
فلا ترى إلا متفائلة مستبشرة
مهما كانت الظروف ..
دائمة الحمد والشكر ..
يقولون أسبابُ الحياة كثيرةٌ
فقلت وأسبابُ المنونِ كثيرُ
وما هذه الأيّامُ إلّا مصائدٌ
وأشراكُ مكروهٍ لنا وغُرورُ
يُسارُ بنا في كلّ يومٍ وليلةٍ
فكم ذا إلى ما لا نُريد نسيرُ
وَما الدّهرُ إلّا فرحةٌ ثمّ تَرحةٌ
وَما النّاس إلّا مُطلقٌ وأسيرُ .
وكم صادفت من يقول :
أم عبدالله … ماعليها والحمدلله
خوف … صلاح وتقوى ودوام ذكر وصدق وإنفاق … اللهم أغفر لها وارحمها ..
ابو محمد عبدالرحمن بن محمد الوليعي
١٤٤٧/٣/٢٩
