نفس لاتتعب …
نفس لاتتعب …
وأنا محدثك عن رجل قد تراه في نظرك رجلا عاديا مثله في الناس كثير
وأشباهه بالمئات ..
أقول صدقت ..
ولكنه تميز بالعمل والكفاح
والإتقان والصدق والديانة
حتى آخر ساعة من حياته ..
طائر مر على هذه الحياة وعاش فيها تسعين حولا لم يبدل ولم يترك الطريق
ولم يلتفت يمنة أويسرة ..
كان خفيف الحمل ....
زكي النفس ..
ومن طول ملازمتي لمن عرفت من كبار السن لم أسمع شخصا تكلم فيه ....
أو ذكر فيه عيباً....
أو نشر له ذماً....
وكان رحمه الله " مطهر الثياب "
ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارَى نَقِيّةٌ
وأَوجُههم عند المَشاهِد غُرّانُ
بل كان كالسحابة الهتانة ..
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة
أثنى عليها السهل والأوعار …
رحمه الله وأعلى منزلته ..
إنه : محمد بن صالح بن محمد بن مطرود بن صعب العيسى البدراني الدوسري
ووالدته هي : رقية بنت يحي العميّد
ونحن نعرف محمدا ابن مطرود
وهو صاحب ( برزة ) هو وأخوه سليمان
وأمهما ( موضي العبيد الله ) من قبيلة سبيع
أما صالح فوالدته : لولوة آل عبدالقادر
واختها فاطمة زوجة يحي العميّد
ومنيرة زوجة عبدالكريم المطرودي أم صالح (الدويخ )
وأخوها : عبدالعزيز بن عبدالقادر
أبو علي وعبدالرحمن وسليمان ومحمد
وهو جد ( آل أبوعلي )
وأخوه : عبدالكريم جد آل عبدالقادر
وقد توفيت والدته وهو صغير فلم يرها ولم يعرفها
لكنه قال في آخر عمره
رأيتها في المنام رحمها الله
واعتنت به خالاته خاصة ( عميده )
زوجة ( إبراهيم السنيدي ) رحمهما الله ..
كبر ( السعين ) وهذا كان لقبه
والسعين هو تصغير ( سعن ) وهي القربة الصغيرة ..
هل لهذا الاسم من مناسبة ؟
لا ادري …
وبالمناسبة هذا سعين المطرود
وهناك سعين الدخيل الجارالله.(محمد (ولد في ملك أهله في برزة
في الربع الأول من القرن الرابع عشر
بدون تحديد ..
وليس له إلا أخ واحد ( عبدالله ) وهو من أم أخرى ( سلمى بنت سالم الوليعي )
وله من الأخوات:
هيلة زوجة سليمان بن عبدالرحمن الحميد النقير
ولولو زوجة سليمان البازعي الرقدان
تعلم المبادئ الأولية للكتابة والقراءة على ( ابن غميز ) أيام كان يسكن الشماسية .. " والغميز من القويفل من الفداغم من بني العنبر من بني تميم "
ولذلك فتلاوته مستقيمة في القرآن الكريم وفي بعض الكتب
وعمل في ملك آبائه وأجداده
ونشأ في عفاف وصيانة
وعمل صالح
وكان كما يذكر عنه : ( قرم ) أو ( أيمن )
وهي ألقاب لاتعطى هكذا ...بل تطلق بعد دراسة موسعة للرجل ومراقبة حثيثة له
والناس لايذكرون - خاصة في الجيل الماضي -إلا نادرا المبالغات والمدح الزائد في كلامهم -
إذاً عُرف عن محمد الجد في العمل والإتقان التام خاصة في أعمال الزراعة وشؤونها من ختام وحرث وزرع وسني على الجمال وغيرها ..
ورحل في بداية أمره مع جماعته لبلدة ( جوي ) في سدير وفيها كان يعمل بعض الجماعة كالفعيم والوليعي وغيرهم
ثم رجع لبلده
ثم رحل رحلة أخرى أطول إلى الرياض
وأنا أكتبها في سطر واحد وهي قد تستغرق عشرة أيام
لأنها كانت مشياً على الأقدام ..
وفي طريقهم مروا على قرية وقد بلغ بهم الجوع والتعب مبلغاً عظيماً
فتفرقوا بين البيوت
فوقف أمام أحد البيوت وطرق الباب
وأخبرهم أنه ضيف ..!!
فذهبت المرأة وجلبت له قطعة صغيرة من عجين مطبوخ وقالت لايوجد عندنا غير هذا ،،!!
فشكرها وقال : اتركيه لأولادك
ورجع إلى زملائه وكل يذكر الأكل الذي حصله ، أما محمد فشكر الله سبحانه وتعالى ونام جائعاً ولم يذكر شيئاً
مروءة وعزة نفس ..
وفي هذه السفرة حصلت قصة
( حبيب رجال ذيب ) وهي قصة طريفة
لولا ضيق المكان لأوردتها ..
عمل مع رفقائه في البناء بالرياض
سنين عددا
ثم عاد إلى والده بالشماسية
وتزوج من ( مزنة الحمد السليمان المطرودي ) وولدت له أكبر أبنائه ( عبدالكريم )
ثم طلقها وتزوجت من أسرة الفوزان ببريدة - رحمها الله -
ثم تزوج من ( حصة الدحمان الفعيم )
وأمها ( مزنة الفيصل الفوزان )
ولم يتوافق معها
وطلقها وتزوجت من إبراهيم العلي الجديعي في خضيراء..
ثم أشار عليه خاله ( عبدالله اليحيي العميد ) بالزواج من حصة المحمد الجميعان الملقبة ب ( الدوري )
وكانت قبله مع ( شجاع بن بارود الغبيوي العتيبي )
وكانت كفيفة البصر
وهي امرأة مدبرة عارفة متدينة
كأنما كانت ترى الناس بعين بصيرتها
لا ببصرها - رحمها الله -
يقول بشار :
إذا ولد المولودُ أعمى وجدتَه
وجَدِّكَ أهدى مِن بصيرٍ وأحْوَلَا
عميتُ جنينا والذكاءُ مِن العمى
فجئتُ عجيبَ الظنّ للعلم مَعقِلَا
وغاض ضياءُ العين للقلب فاغتدى
بقلبٍ إذا ما ضيّع الناسُ حصّلَا
وشِعرٍ كنَوْرِ الرَّوْض لاءمتُ بينه
بقولٍ إذا ما أحزن الشِّعرُ أسهَلَا
وبقيت معه حتى وفاته ..
اشتغل محمد … وكأنه لايتعب أبدا
ومما يذكر عنه وهي ،غريبة عجيبة ،أنه في زمن الحاجة والجوع ذهب مع صاحب له للعمل في بلدة ( الطرفية )
وبدأوا في العمل وكان الوقت قريباً من دخول ( الوسم )
ولما كان في أحد الليالي نزل غيث عميم خاصة إلى جهة الجنوب الشرقي من الطرفية فلم يستطع الجلوس بل حمس صاحبه وفي الليل ساروا على زاملتهم حتى وصلوا إلى ( مباعل ) أهل الشماسية في شعيب ( النبقي )
وبدأوا في العمل من الليل ....
ومن الطريف أن بعض أهل الشماسية ممن يعرفون ( محمد ) أنه حث أصحابه بعد الفجر على الذهاب للبعل فقالوا له :
وش بك عجل أصبر ..
فقال : والله إن شاف السعين البارق البارح ماياقف الا بالنبقي ..؟؟
وفعلا حصل ..
همة وقوة ونفس لاتتعب … رحمه الله وأعلى منزلته …
وكأني بمحمد وهو يشيم البرق وهو في الطرفية لو علم الشعر العربي لقال :
لمعت نارهم وقد عسعس الليل
ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البين عليل ولحظ عيني كليل
حتى يقول :
ندفع الوقت بالرجاء وناهيك
بقلب غذاؤه التعليل …
قال أعرابي:
رأيت بروقا داعيات إلى الهوى فبشرت نفسي أن نجدا أشيمها
وقال آخر في المعنى نفسه:
ألا أيها البرق الذي بات يرتقي ويجلو ذرى الظلماء ذكرتني نجدا
نعم نفس لاتتعب لأن الله خلقها حرة
تعرف أن النصب لذيذ إذا مان فيه حفظ ماء الوجه وعدم الاتكال على الناس :
يقول أبو مسهر الموصلي :
وأطيب العيش ماتجنيه من تعب
وأعذب الشرب مايصفو من الرنق .
ولد لمحمد ابنه الأكبر من الدوري ( صالح ) في الشماسية
ثم عبدالرحمن وتوفي في الغاط وعمره حوالي خمس عشرة سنه
ثم ابنتين توفيتا صغارا
ثم سليمان
ثم أحمد -رحمه الله وأعلى منزلته -
هذه أسرته بصفة عامة ..
عمل محترفاً عند أهل المزارع
فيوماً في الشافع جنوب الشماسية
وآخر في البرجسية وهكذا
ثم في عام ١٣٩٦ هـ رحل مع زوجته وأبنائه إلى المطوعية في جنوب الشماسية
ثم عمل في مزرعة الفوزان السابق
في ( الحثيمة )
ثم في أم ( سدرة )
ثم استقر به المقام في مزرعة وادي ( بقر )
وروضته
والذي تقول فيها زوجته الدوري :
روضة بقر عسى أول الوسم ياطاك
وعسى على حالك تلاعج ابروقه .
بقي في بقر يكافح ويعمل بجد وصدق
وإخلاص
وكان مع ذلك يحث أبناءه على الدراسة والتعلم ويحفزهم
ولا يسمح لهم بالتأخر
مع حاجته الماسة لهم
رحلة طويلة ممتدة
ها أنت تسمعها وتقرؤها
ليس فيها إلا العمل والكفاح
والجهد المضاعف ..
نعم ( نفس لاتتعب )
فقد كان هميماً في عمله
لايترك مجالاً للاحتمالات ...
حياته كلها جد وكدح -كما هي حياة كثير من أقرانه في ذلك الوقت ..- رحم الله تلك النفوس المجاهدة العاملة -
ولقد خبرته في آخر عمره
شيخاً طاعناً في السن في ملك أهله في ( برزة ) لم تكسر حدة همته السنوات المتطاولة ، ولا أقعدته الأيام والليالي ،وهو يتحرك تحت النخل ويسقيها ويعشب ماتحتها بكل صعوبة ..
وحانت ساعة الفراق
وتوفي محمد وفاة طبيعية
كأيسر ماتكون الوفاة
وذلك في ٢٥/ شعبان / ١٤٢٤هـ
وبعده توفيت زوجته ( الدوري )
في ١٥/رمضان ١٤٣١هـ
بلغ السير بالغريب مداه
فرمى رحله وألقى عصاه
وهوى مسلما إلى الأرض جسما
هد منه الكفاح كل قواه ..
رحم الله تلك الروح المكافحة وتلك النفس الكادحة رجل العمل والجد
محمد بن صالح المطرودي .
كتبه توثيقا وحفظا عن النسيان
أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن علي الوليعي .
١٤٤٧/٣/٢٥
