آيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
كيف يكون في خلق السماوات والأرض آية؛ وأنا لا أرى من السماوات إلا نطاقاً ضَيّقاً من سمائنا الدنيا؟!
ثم كيف لاختلاف الليل والنهار أن يكون آية! وما اختلافهما إلا بحكم الشمس إنْ كان لها حُكماً؟
بل ثم أين الآية في الاختلاف أصلا!
ولَكنِّي بفضل الله موقن إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ، ولَكنِّي، لتقصيرٍ مني، لا أراها! فمن يراها؟
أُوُلِّي الألباب؟! ومَن هُم أولو الألبابِ!
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
إنَّ ذِكْرَ الله في القيام والقعود وعلى الجُنوبِ إنما يتطلب أن يكون الذكر دوماً!
هذي حال أولو الألباب. لا يضيع من أوقاتهم شيئاً لغير الله. هذه حال إخلاص!
وبينما هُم مُخلِصون في سلوك سبل الحياة؛ إذ يُعمِلون عقولَهم في التفكر فيما أفكر فيه!
لكنْ لِمَ قد يرون ولا أرى؟
يبدو كأن الفَرْقَ في الفكر، وفي مفهومِ كِلانا عنه!
إن التفكر هو أفضل الرياضات التي برعَ البشرُ فيها، حتى تباهوا واستكبروا الآن بما للفكر من أثر في تَحَضُّرِ أُمَمٍ وانحِطاطِها.
إن غاية التفكر هي الحق وإلا، فما معنى الحماقة! فكل تَفَكُرٍ لا يصل بمُفَكِّرٍ إلى حقيقة ثابتة؛ هو في عين الحق ليس إلا الحمق من مصدره.
الآن أفهم. أو كِدْتُ أفهم.
إذاً لمَّا تَفَكَرَ أولو الألباب رَأوَ آياتِ اللهِ بازِغَةً، وعَلِموا يقيناً إن خلق السماوات والأرض لهو خلقاً بالحق استوجب منه تسبيحاً في صيغةِ المخاطَبَ مُباشَرَةً إذ قال سبحانك! وتسأله أول ما يشغل كل نَفْسٍ للبشر منذ البدء.
النجاةُ.
ولكنها الآن؛ نجاةً به سبحانه من غضبٍ يُتَّقى منه وطمعاً في ثوابِ، وليس كما دأبت أممٌ أن تسعى إلى نجاةٍ مُعلَّقَةٍ بأسبابٍ إلى أسبابِ.
والآن أُقرض أُوُلِّي الألباب سمعي وانتِبَاهي، إذ أردفوا متضرعين؛ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ؛ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ. رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ، وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ؛ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ.
الآن أكاد أرى!
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ؛ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
بالفعل قد كاد أن يَغُرَّنِي يوماً تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ. لَكنِّي الآن أشهدُ أنه مَتَاعٌ قَلِيلٌ.
لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ؛ خَالِدِينَ فِيهَا، نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ.
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
واللهِ قد صَدَقَ موسىْ لَمَّا قال؛ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى!
والآن أُصغي ملء سمْعيْ للنداء التالي، وقد رجوت أن أكون مشمولاً به. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
اللهم أجعلنا منهم!
آمين.
