الصدق
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ آل عمران (95).
صَدَقَ اللَّهُ.
ما الصدقُ؟ وما مفهومُهُ كقيمةٍ مجردةٍ؛ إنْ جازَ للصدقِ أنْ يتجرداْ؟
فالصدق ليس منفصلًا عن غيره من القيمِ. فجوارِ الصدقِ تعلو فضائلَ تأخُذُ منه أو تُعطي.
فما الصدقُ من دون الأمانةِ؟ إنَّ أصلَ الصدقُ في حملِ الأمانةِ! وإنَّ أصلَ الصدقُ في قولٍ وفي فعلِ.
إنَّ أصلَ الصدقُ في اختيارِ الصدقِ لا غيره.
"أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا؛ بَلَىٰۛ شَهِدْنَا"
والصدقُ في رحلةِ صعودهِ إلى أصلِ الفضائلِ له نوعانِ. نوعٌ مجبولٌ مجبورٌ على الصدقِ، رافعًا لشعارِ الحقِّ دومًا، كالأنبياءِ والرُسْلِ. ونوعٌ يُكتَسَبْ؛ شيئًا فشيئًا، بينما يَبنِى الإنسانُ أو تُبنَى له، شخصيته.
وهذا النوع الأخير، تحديدًا، له صنفان؛ فبينما يختار الصدق في كل قَولٍ وفِعْلٍ، يعلو ويعلو حتى يُكتَبَ عند الله صِدِّيقَاْ. فيَصِيرُ وَقْتَها كالمجبولِ المجبورِ على الصدقِ حبًّا وشرفًا وحقَّاْ.
"أيَكذِبُ المؤمنَ؟ قال؛ لا"
أو يقبل بأن يكون للصدق شريكٌ مع الحقِّ، فلا يختار الصدق دومًا في كل قَولٍ وفِعْلٍ، فتُنْكَتُ في قلبهِ ويستسيغُ سوادها، ثم تُنْكَتُ غيرها فلا يَعُدْ يراها، ثم تُنْكَتُ أخرى ثم أخرى، حتى يُكتَبَ عند الله كَذَّابَاْ.
لذا، فالصدق والأمانة كجَنَاحَيَّ مخلوقٍ مُشَرَّف، إنْ عَلَاْ بِهِمَاْ إلى الحقِّ، صارَ يقولَ بالحقِّ، ويفعلَ بالحقِّ.
ولِنَرَ الأنبياءَ مثلًا في المؤمنينَ، فيقول موسى مخاطبًا فرعونَ؛ ﴿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّۚ﴾، ويقول عيسى بن مريم بين يديَّ ربِّ العزَّةِ؛ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.
فقَولَ الصدقِ مُرتبطٌ بفعلِ الحقِّ. وقَولَ الحقِّ موصولًا بفعلِ الصدقِ. والأمانة في هذا المحيط تُرافِقَهُما.
هذا التناغمِ إنما هو لصالحِ الإنسان أصلاْ؛ فما الذي يُجبرُ الإنسانَ أن يختارَ أن يكونَ كَذَّابَاْ؟
أهُناكَ، ابتداءً، مَن يُظَنَّ أنَّهُ قد يختارَ لِنَفسِهِ، عَن طِيبِ خاطرٍ، أنْ يكونَ كَذَّابَاْ؟
هذه الخِصلَةُ مُستَقْبَحَةٌ بينَ البَشَرِ، مِن دونِ دينٍ حتى. فمَنْ مِنَّا يُحِبُّ أنْ يُعاملَهُ كاذبٌ في مالٍ أو خبرٍ أو سفرٍ! حتى الكَذوبَ الكاذبَ لا يُحِبُّ الكاذبينَ إذا ما كَذَبوا عليه!
فمَنْ يختارها إذاً!
إنْ اختارَ المرءُ كذبًا فإنه لا يبتاع الكذب إلا وتابعه الخيانة. والخيانة لها أصدقاءٍ كثر.
لكنَّ البضاعةَ المعيبةَ المُزْجَاةِ لا يُنادى عليها بالأسواق، إذ لا سوق لها!
إذاً، فالكذب تركٌ للصدق، إذ لم يَصُنْ أمانة الصدق وقيمته.
فإذا تَرَكَ، فقد خان نفسه على أقل تقدير، إذ لم يصدُقها الفعل في حمل الأمانة نفسها. فتركها تبتعد بينما يغُطُّ هو فى ظلام الكاذبينَ!
لِمَ يترك أولاً؟! هي قيمة الصدق شروها بثمن بخسٍ في صدورهم. ولم يحفظوها!
أَعُوْذُ باللهِ العظيمِ مِن الكَذِب.
الكَذِبُ ذنبٌ عظيمٌ كشجرةٍ عملاقةٍ خبيثة، ما تلبثُ إذا ما نمت حتى التمام، أن تستدير فتأكل بعضها حتى التمام. وتمامُها المرءُ؛ ونفسه.
فيضيع المرءُ في الدفاع، عن نفسه، ضد ما يجده من سوءة صنعته. تلك النفس التي خانها ابتداءً حينَ تَرَكَ الصدقَ لِهَواهُ، فيخونها مُجَدَدًا، ومُجَدِدًا. حتى يُكتَبَ عند الله كَذَّابًا تاركًا للصدق؛ وخائنُ.
أَعُوْذُ باللهِ!
أيُ إنسانٍ يختارُ هذا؟
أهُناك مِن توبةٍ لِكَاذبٍ؟ بالطبع! هناك.
أهُناك مِن توبةٍ لِكَذَّابٍ؟
وفي حين أنَّ للصِدْقِ أيضًا، إذا اختاره المرءُ ابتداءً، أصدقاءٌ كثر، يحبون صُحْبَتَه ولا يفارقونه ما دام مفعولا. فيصيبُ المرءُ منه ما لم يحسبْ له يومًا. كالبركةِ والنعمةِ.
كَوَضَاءَةِ الوجهِ التي تُلْقي على صاحِبِها هيبةٍ وإجلالاْ.
لا، ليست سيارتَهُ ولا حُرَّاسَهُ ولا القوة. إنَّمَا الوجه.
هذا فعلُ الصِدْقِ. أيُ أثرٍ هذا!
يُذَكِرُنا هذا بالذي وَجَبَ، إذا ما ذُكِرَ، أن نُصَلِّ عليه. هذا الذي فَهِمْنَا، قبلَ نُبُوَّتِهِ، لِمَ كان خيرُ البَشَرِ كُلُّهُمِ!
الصادق الأمين.
بالطبعِ، صَدَقَ اللَّهُ. إذ اختار من بين البشر من كان مشهورًا في قومهِ، بالصادق الأمين.
فالصدقُ لا يُنقَلُ إلا بصادقٍ، والصدقُ يَصْحَبَهُ، مِن بينِ صَحْبِه، الأمانةُ!
فالقول حق.
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ.
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
