مواعيدُ منسية
دعيتُ مرة لزيارة دار المسنات بالرياض
رغم النوايا البشعة للصديقة التي دعتني (ماعلينا)😂
المكان وحدة سكنية كبيرة تتبع لوزارة الموارد البشرية الجهة الإشرافية على هذا القطاع
تضم هذه الوحدة دار للمسنين ودار منفصلة للمسنات وكذلك دور رعاية الفتيات ومجمع آخر نسيته وكل دار منفصلة عن الآخرى.
يحيط بهذه الوحدات السكنية سور طويل له بوابة خاصة وحراسة خاصة لايدخل المكان أحد ألا بتصريح.
تأتي دار المسنات على مسافة ليست بالبعيدة من دار المسنين كان المكان يشبه فيلا فخمة
مجلس، غرفة معيشة،غرفة طعام، غرف نوم خاصة، دورات مياه،ممرضات وعاملات نظافة ومشرفات.
عند الدخول من الباب الرئيس يقابلك فناء خارجي واسع على الجانب الأيسر منه حديقة ليست بالكبيرة ولكنها تقترب من الكبر قليلا يوجد بها مقاعد خشبية للجلوس ومظلة كبيرة حديقة مبهجة إلى حد ما أعدت للتنزه.
وعلى اليمين ملحق خارجي لكنه مجهز بحيث يشبه مقهى صغير كان قد صمم بشكل بسيط لكنه جاذب.
في أول الفناء وقريبا من الباب الرئيس تقف سيارة إسعاف بشكل دائم للحالات الطارئة.
تقوم هذه الدار بدور الإيواء لمن عصفت بهم الحياة ورمتهم على قارعة طرق مظلمة بشعة.
يقدم لهم عدد من الخدمات الرعوية من ضمنها العلاج النفسي والسلوكي والرعاية الصحية والتي تشمل نظاما غذائيا لكل نزيلة
وهذا موضوع مدهش آخر.
***
كنت قد حضرت في تمام الساعة الخامسة عصرا
وقد سبقني لهذا المكان زميلات قد أعددن برنامج ظريفا الهدف الأساسي منه إسعادهم.
كانت تلك أول زيارة لي لدار المسنات لم أكن زرت المكان من قبل.
أول شعور داهمني هو سريان تلك الوجوه في قلبي
هذه وجوه مألوفة أشعر أنني أعرفهم.
انفصلت عن الواقع لدقائق وبدأت ألعب لعبة مؤلمة
هذه تشبه جارتنا وتلك تشبه فلانة من معارفنا وهذه تشبه معلمتي في الابتدائية…
جاء صوت إحداهن ليعيدني حيث يجب أن أكون
-هيه أنت تعالي أجلسي جنبي.
نظرت ! كانت سيدة في بداية الأربعين يافعة تشع نظارة.
بعد أن جلست قالت لي:
-ترى أنا مو كبيرة لاتقولين لي ياخالة!
-سمي وأبشري.
كانت هذه المرأة أصغر نزيلة في الدار.
ربما أن صوتا داخلها يقول لها أن هذا ليس مكانك -وهو فعلا ليس مكانها - لكنها نزيلة الدار لأسباب مختلفة وخاصة.
تحدثت معي ووجهها تعلوه فرحة كانت مزهوة بنفسها بشكل غريب.
-أنا شاعرة (تدرين) عندي كتب شعر (تشترين مني)؟
ينشأ وهم النجاح وتحقيق منجزات -أحيانا- من رحم معاناة التهميش والتجاهل والنبذ وبالنظر إلى الحالة النفسية المتردية لجميع النزيلات حيث لايوجد أحد صحيح نفسيا فإن توهم امتلاكها دواوين شعر يعتبر مبررا ومقبولا.
-هيه أنت انتظريني (بجيب كتبي)
ثم بعد مسافة يسيرة التفت إلي وقالت:
-لاتروحين تكفين بجي بسرعة.
طوال الوقت كان لدى هذه المرأة مخاوف من الخطوة المغادرة، من أولئك الذين يقولون سنأتي ولا يأتون!
المغادرون نحو الأبد، من عز عليهم أن يكتبوا رسالة وداع أو يرفعوا أيديهم لتلويحة غياب أخير.
يبدو لدى هذه المرأة تاريخ طويل من المواعيد المنسية.
ثم ماهي إلا دقائق حتى عادت تحمل معها دواوين شعر عليها أسمها وبترخيص من مكتبة الملك فهد الوطنية!
ثم بدأت بصوت عال تقرأ قرأت ربما قصيدتين ثم توقفت لتحدثني عن تجربة التدوين وكيف قدمت لها الدار الدعم والمساندة لتصل إلى ماهي عليه.
وكانت بين جملة وأخرى تقول (ترى أنا صغيرة)
على مقربة تجلس المشرفة على الدار لها مكتب إداري قريب من الباب قليلا وتراقب مايجري بهدوء.
بعد السلام عليها قلت:
لم أكن اعلم أن هذه الخدمات تقدم في الدار!
قالت: نحن نقدم لهم الدعم ليحققوا شيء من ذاتهم ليس فقط الدعم المادي والرعوي ثمة أشياء أخرى لاتقل أهمية.
وكانت تلك الشاعرة الصغيرة قد قالت لي: لقد وقفوا معي شجعوني ودعموني حتى صدر ديواني الأول ثم الثاني والثالث الآن تحت الطبع!
واحضروا شخصيات بارزة -ذكرتها نسيتها الآن- لتهنئتي بصدور الكتاب، وأثناء هذا كله كنت قد سرحت بتلك الحكاية شيء يشبه حفلات توقيع الكتب.
شيء مبهر!
وثمة سيدة أخرى في أقصى المجلس كانت تأشر بيدها لي لأقترب وحين اقتربت قالت:
-وش اسمك
-مريم
-وش يقال لكم
وبعد أن قلت لها عائلتي طلبت مني أن أقبلها
وفعلتُ.
-أسمك نفس أسم أمي سلمي علي مرة ثانية.
وبقينا طوال اليوم هكذا تدعوني لاقترب تسأل عن أسمي وأسم عائلتي ثم تطلب مني أن أقبلها!
ما أكثر الحكايات في ذلك المكان بعضها يروى وبعضها يترك لمرارته.
جاء وقت خروجنا قالوا لنا لابد أن تختبئوا !
لايمكنكم الخروج دفعة واحدة ليكن ذهابكم بشكل فردي وعلى أوقات متباعدة شيء قليلا.
لأن الخروج بهذه الصورة يحزنهم سيتمسكون بكم وبعضهم قد يبكي طالبا منكم البقاء لوقت أطول!
كانت الساعة الثامنة هي الحد الأقصى للبقاء وذلك لمواعيد النوم اليومية.
قلت لهم سأذهب لأصلي ولبست عبائتي ثم شرعت بالركعة الأولى واختفيتُ.
خرجت من المكان أحمل شعورا غريبا
مبهجا وحزينا وكانت الأسئلة أثقل ماحملت.
ستبقى الأعمال الإنسانية أعظم مانترك خلفنا.
شكرا وزارة الموارد البشرية.
الزيارة 29/2/2042
الكتابة 28/5/2042
