موقف الشريعة الإسلامية من الرق
موقف الشريعة الإسلامية من الرق
إن تقدير الحقوق والواجبات الإسلامية مصدرها الله عز وجل الذي هو الحق المبين وتشريعه هو العدل المطلق الذي لا يحابي ولا يتحامل فقال الله تعالى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ"﴾.
ومما لا شك فيه أن الإسلام رأى حقوق الإنسان في مجمل عناوينها فهو الذي وضع مبادئ تهدف إلى انتشار الخير واستتباب الأمن بين بني البشر كما يهدف إلى تأمين الحياة العادلة والسعيدة لكل فرد من أفراد المجتمع. وهنا نتساءل عن موقف الإسلام من الرق؟ وهل ألغاه؟
أما موقف الإسلام من الرق، فيلخص بقول رسول الله (ص) "شر الناس من باع الناس".
وأما من ناحية إلغائه فان الإسلام وان كان لم يلغ الرق إلغاءً صريحاً مباشراً إلا أنه قد وضع نظاماً يكفل إلغاء الرق فيمكن القول إن الإسلام ألغى الرق بطريقة غير مباشرة.
إذاً لماذا لم يلغ الإسلام الرق بطريقة مباشرة، وما هو النظام الذي وضعه الإسلام ليلغي الرق بطريقة غير مباشرة؟
أما الإجابة عن السؤال الأول وهو لماذا لم يلغِ الإسلام الرق بطريقة مباشرة تنحصر بسببين:
مبدأ المعاملة بالمثل، فقد كانت هناك حروب بين المسلمين وغير المسلمين وكان غير المسلمين يستحلون استرقاق المسلمين فكان لابد أن يعاملهم المسلمون بالمثل وبذلك فان الإسلام اعتبر الرق نظام دولياً لا يمكن إلغاءه من جانب واحد.
تقتضي فلسفة الإسلام معالجة كل مسالة ليست أساساً من أسسه، وإنها تعالج برفق حتى يصل الإسلام إلى هدفه من دون أن يحدث اضطراباً بين معتنقيه كون الرق كان نظاماً منتشراً انتشاراً كبيراً في الجاهلية كما كان هذا النظام معروفاً في الشرائع السابقة.
أما النظام الذي وضعه الإسلام ليلغي الرق بطريقة غير مباشرة فانه ينحصر في مبدأين مهمين:
المبدأ الأول: تضييق المداخل
جاء الإسلام وكان للرق وسائل أو مداخل كثيرة فقد ضيق الإسلام من روافد الرق إلى أبعد الحدود عندما ألغي الرق الناشئ عن القرصنة والاختطاف واسترقاق المدين والرق الناشئ عن بيع الأولاد والرق الذي كان مصدره حكم جنائي ولم يبق من مصادره في الإسلام إلا أسرى الحرب.
ومن تضييق المداخل أن الإسلام وضع نظام لأسرى الحرب لم يكن موجوداً قبل الإسلام إذْ قال تعالى ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
كما إن الأسرى لا يعدَّون أرقاء بمجرد الأسر كما كان معروف في الأمم السابقة بل يجب أن يضفي الأمام صفة الرق على الأسرى وبإمكان هؤلاء الأسرى التخلص من صفة الرق من خلال الطرائق الآتية: -
تبادل الأسرى وذلك بان يرد المسلمون من أسراهم عدد إلى الأعداء مقابل إطلاق عدد مقابل من أسرى المسلمين.
المنُّ على الأسرى أو على بعضهم وذلك بإطلاقهم من غير مقابل لسبب من الأسباب؟
قبول الفداء وذلك بإطلاقهم نظير مقابل مادي أو أدبي.
المبدأ الثاني: - توسيع المخارج
أما أولئك اللذين يصبحون أرقاء بطريقة وبأخرى فان الإسلام يفتح لهم الأبواب ليعيد الحرية لهم. إذ إن الإسلام يعدُّ الرق عارضاً ويعمل على إزالته وفيما يأتي ذكر هذه الأبواب: -
عدُّ تحرير الرقبة من خير الأعمال المنقذة من العقبة أي (النار) يقول تعالى ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾.
جعل الله تعالى تحرير الرقبة في مقدمة الكفارات ومنها قوله تعالى في قتل المؤمن خطأً ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
أمر الله تعالى بإمكانية الرقيق القادر على الكسب لشراء نفسه من سيده وأمر بمساعدته على ذلك بقول تعالى ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
التدابير: هو أن يوحي السيد بان يكون عبده حراً بعد موته وسمي كذلك لأنه السيد تدبر أمر دنياه فأبقى العبد ليعاونه في الدنيا وتدبر أمر آخرته فأوصى بعتق العبد عقب موته ليساعده ذلك في الآخرة على زيادة حسناته.
لو تشارك اثنان في تملك عبد ثم عتقه أحدهما فان هذا العتق نافذ في حقه ويسري في حصة شريكه أيضا فتقوم حصة الشريك ويسعى العبد في دفع قيمة تلك الحصة من نتيجة سعيه وعمله.
إذا أصاب السيد أمة وحملت منه واعترف بالولد بأنه ابنه أصبحت في نظر الشرع " أم الولد" وفي هذه الحالة يحرم على السيد بيعها وإذا مات ولم يعتقها في حياته فإنها تصبح حرة بعد مماته مباشرة.
إن ملك واحداً من ولديه أو والديه عتق عليه في الحال. ويقصد به ما لو ملك رجل أحد الأبوين وان علو أو أحد الأولاد وان نزلوا وقد شرع الإسلام عتق هذا المخلوق. بمجرد تملك أحد أبويه أو أولاده.
لم يكتف الإسلام بكل الطرائق المار ذكرها لمحو الرق وإزالة أثره من المجتمع لعلمه بان تلك الطرق لا توصل إلى الهدف إلا بعد مدة طويلة تعد بعشرات السنين أو مئات وهو وقت طويل لا يرضى الإسلام بالسكوت خلاله والصبر على وجود العبودية ورغبة منه في تقصير المدة المشار إليها ألزم الدول بتخصيص فصل من فصول الميزانية لشراء الرقيق وعتقهم.
أما معاملة الرقيق في الإسلام، يمكن أن تقتصر هذه المعاملة للرقيق تحت ظل النظام الإسلامي في ثلاث نقاط أساسية: -
اعتبار الرقيق كائناً إنسانيا له حق الكرامة والحياة. إذْ قال الله تعالى﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ كما عنيت الشريعة باحترام كرامة الإنسان وحريته وتقرير مبادئ المساواة والأخوة والتسامح بين المسلمين فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع وهو يقرر مبادئ حقوق الإنسان " كلكم لآدم وآدم من تراب وانه لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا اسود على احمر ولا احمر على اسود.... إلا بالتقوى. ومن هذه النصوص يتبين أن الرقيق في ظل النظام الإسلامي كائن حي له حق الكرامة والحياة كأي مخلوق آخر على حد سواه وانه لا فضل بينه وبين أحد من البشر مهما علت جنسيته ومهما سمت وجاهته. إلا بالتقوى والعمل الصالح.
مساواة الرقيق بالجنس البشري في الحقوق والواجبات فان الإسلام ساوى بين الرقيق وبين أي إنسان أخر في الحقوق والواجبات جميعها اللهم إلا في بعض الحالات الخاصة التي أعفاه الإسلام منها لكونها تتعارض مع مسؤولياته المكلف بها كإعفائه من صلاة الجمعة وفريضة الحج فقد اقر الإسلام مبدأ المساواة في العقوبات والحدود فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخونكم خولكم ملكهم الله إياكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم من الأعمال ما لا يطيقون فان كلفتموهم فأعينوهم.
حسن معاملة الرقيق فان الإسلام وضع من المناهج العملية والوصايا الإسلامية في حسن معاملة الرقيق ما تفتخر به الأجيال المسلمة على مدى التاريخ والأيام حين قال الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا يقل أحدكم هذا عبدي وهذه أمتي بل يقل: فتاي وفتاتي". وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) " من لطم مملوك أو ضربه فكفارته عتقه".
غير أن الرق لم يبق في الحدود التي رسمها الإسلام فحين توقفت الفتوحات في العصر العباسي أصبح الرقيق المجلوب هو المصدر الرئيس للرق وأصبحت تجارة الرقيق تدر على أصحابها رزقاً واسعاً.
