تعريف الاتجار بالبشر في التشريعات الوطنية
تعريف الاتجار بالبشر في التشريعات الوطنية
الدكتور ماجد الربيعي
سنتناول في هذا الفرع تعريف الاتجار بالبشر في تشريعات كُلٍّ من: فرنسا، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، مصر، العراق.
أولا: - التشريع الفرنسي لعام 1994
عرف قانون العقوبات الفرنسيِّ لعام 1994جريمة الاتجار بالبشر في المادة 225 بأنها " اـلـفعل الذي يتم مقابل أجر أو أية منفعة أخرى أو وعد بأجر أو منفعة على تجنيد شخص أو نقله أو ترحيله أو إيوائه أو استضافته بهدف وضعه تحت تصرف الغير ولو بدون تحديد هوية هذا الغير بهدف ارتكاب جرائم السمسرة والاعتداءات الجنسية ضد هذا الشخص أو استغلاله في أعمال التسول أو فرض شروط عمل أو سكن مهينة لكرامته أو لإجباره على ارتكاب جنايات أو جنح ".
ويتضح من هذا النص إن المشرع الفرنسي قد وضع له نموذجاً قانونياً من المتصور معه أن ينصب الاتجار بالبشر على شخص واحد، وفي الحقيقة إن هذا يعد مسلكاً محموداً من المشرع العقابيِّ الفرنسيِّ، وذلك لأنه طبقاً للقواعد العامة في التفسير فإن النص الفرنسيِّ ينطبق في حالة وقوع هذه الجريمة على شخص واحد ومن ثم فمن باب أولى أن ينطبق النص أيضا في حالة وقوع الجريمة على أشخاص عدة.
إلا أن المشرع الفرنسيٍّ قد أورد صور الاستغلال على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال، خلافاً لما ورد في المادة (3/أ) من بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال وهذا برأينا غير دقيق لأنه من الممكن استغلال المجني عليه بصور أخرى من الاستغلال منها على سبيل المثال نزع الأعضاء أو أي غرض آخر وإن حصر الاستغلال ببعض الصور قد يؤدي إلى تضييق نطاق تطبيق مفهوم الاتجار بالبشر مما يؤدي بالنتيجة إلى إفلات الجناة من العقاب.
ثانياً: - التشريع الإماراتي لعام 2006
عرف قانون مكافحة الاتجار بالبشر الإماراتي رقم (51 ) لعام 2006 الاتجار بالبشر في المادة الأولى بأنه " تجنيد أشخاص أو نقلهم أو ترحيلهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها و غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو إساءة استغلال حالة الضعف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص أخر، لغرض الاستغلال ويشمل الاستغلال جميع أشكال الاستغلال الجنسي أو استغلال دعارة الغير أو السخرة والخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء" .
إن هذا التعريف شبه مطابق لتعريف المادة الثالثة من بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال ولكن المشرع الإماراتي عندما نقل تعريف الاتجار بالبشر من البروتوكول كان الأفضل إن ينقله بما يتلاءم مع النظام القانوني الداخلي إذ إنَّ البروتوكول ذو طابعٍ دوليِّ, وهذا ما نص عليه في المادة الرابعة منه والتي تشير إلى إن البروتوكول ينطبق على جرائم الاتجار بالأشخاص عبر الوطنية والتي ترتكب من جماعة إجرامية منظمة, لذا ومن الطبيعي مع وجود هذه المعطيات إن يعرف الاتجار بالبشر بأنه ( تجنيد الأشخاص ) وهذا يعني إن محل هذه الجريمة أشخاص عدة وفي الحقيقة إن هذا يتماشى مع منطق البروتوكول لان الجماعة الإجرامية المنظمة لن تنقل عبر الدول شخصاً واحداً للاتجار به, إلا إن الأمر مختلف بالنسبة للمشرع الإماراتيِّ وذلك لأنه من المتصور إن ترتكب هذه الجريمة داخل الدولة من أشخاص لا ينتمون إلى جماعة إجرامية منظمة لذا فأن الأفضل استعمال مصطلح ( تجنيد شخص أو إنسان) بدلاً من استعمال مصطلح أشخاص, كما ويختلف هذا التعريف عن البروتوكول من جانب انه ذكر صور الاستغلال على سبيل الحصر خلافاً لما ورد في البروتوكول الذي ذكرها على سبيل المثال. وإن هذا النص يتطابق مع ما ورد في تعريف الاتجار بالبشر في القانون الفرنسي إذْ إنهما ذكرا صور الاتجار بالبشر ووسائله على سبيل الحصر.
ثالثاً: -التشريع البحريني لعام 2008
عرف قانون مكافحة الاتجار بالبشر البحريني رقم (1) لعام 2008 الاتجار بالبشر في المادة الأولى بأنه " تجنيد شخص أو نقله أو تنقيله أو إيوائه أو استقباله بغرض إساءة الاستغلال، وذلك عن طريق الإكراه أو التهديد أو الحيلة أو باستغلال الوظيفة أو النفوذ أو بإساءة استعمال سلطة ما على ذلك الشخص أو أي وسيلة أخرى غير مشروعة سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة. وتشمل إساءة الاستغلال استغلال ذلك الشخص في الدعارة أو في أي شكل من أشكال الاستغلال أو الاعتداء الجنسي أو العمل أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء".
ولعل هذا التعريف أفضل التعاريف السابقة فيما يتعلق باكتفاء المشرع البحرينيِّ بإيراد تعبير الحيلة فقط بخلاف التعاريف السابقة التي وردت فيها تعابير مترادفة كالاحتيال والخداع معاً، كما يتميز هذا التعريف بإيجابية أخرى تتمثل بإيراد وسائل ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر على سبيل المثال وليس الحصر وهو موقف إيجابي لان من الممكن ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر بوسائل أخرى غير المنصوص عليها في التعريف. ولكن مع ذلك فانه لا يخلو هو الآخر من نقد لأنه حدد صور استغلال المجنى عليه على سبيل الحصر وليس المثال بنصه " وتشمل إساءة الاستغلال استغلال ذلك الشخص في ...".
وهنا نوجه إلى هذا التعريف نفس الانتقاد الموجه إلى القانون الفرنسي والإماراتي بشأن حصر صور استغلال المجني عليه.
رابعاً: - التشريع المصري لعام 2010
عرف قانون مكافحة الاتجار بالبشر المصريِّ رقم 64 لسنة 2010 الاتجار بالبشر في المادة الثانية بأنه " يعد مرتكباً لجريمة الاتجار بالبشر كل من يتعامل بأية صورة في شخص طبيعي، بما في ذلك البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بها. أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسليم سواء في داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية إذا تم ذلك بواسطة استعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو استغلال السلطة أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالـــــغ ماليــــــــة, أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص آخر له سيطرة عليه, وذلك كله إذا كان التعامل بقصد الاستغلال أيا كانت صوره, بما في ذلك الاستغلال في أعمال الدعارة وسائر أشكال الاستغلال الجنسي واستغلال الأطفال في ذلك, وفــــــــــــــــــــــــــــــــــي المـــــــــــواد الإباحية أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو التسول أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية أو جزء منها".
يتضح من خلال هذا التعريف أن المشرع المصري قد سار على نهج بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال بإيراده وسائل الاتجار على سبيل الحصر وصوره على سبيل المثال. إلا أن المشرع المصري قد أضاف إلى أفعال الاتجار المنصوص عليها في البروتوكول مصطلحات أخرى وهي (البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بها أو الاستخدام).
خامساً: - التشريع العراقي لعام 2012
عرَّفَ قانون مكافحة الاتجار بالبشر العراقي رقم 28 لسنة 2012 الاتجار بالبشر في المادة الأولى بأنه " تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة أو ولاية على شخص آخر بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو السخرة أو العمل ألقسري أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشرية أو لأغراض التجارب الطبية ".
ومن التعريف أعلاه يتبين أن المشرع العراقي قد سار على نهج بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال في تعريف الاتجار بالبشر إلا أنه أجرى عليه بعض التعديلات منها، إنه لم ينص على "استغلال حالة الاستضعاف " كوسيلة من وسائل الاتجار بالبشر بل اكتفى
بالتهديد بالقوة واستعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر، كما نلحظ أن المشرع قد رفع من التعريف صورتين هامتين من صور الاتجار بالبشر هي" الاستعباد والممارسات الشبيهة بالرق.
كذلك استبدل المشرع عبارة "نزع الأعضاء البشرية " الواردة في البروتوكول بعبارة " المتاجرة بالأعضاء البشرية " في حين إن عبارة " نزع الأعضاء البشرية " ذات معنى أوسع من عبارة " المتاجرة بالأعضاء البشرية ", لأنه من الممكن إن ينزع شخص أعضاء شخص آخر من دون المتاجرة بها, ومثـــــــال ذلك أن تخطف عصابة إجرامية شخصاً ما لأخذ عضو منه وزرعه في جسد أحد أعضائها، هذا من جانب ومن جانب آخر فان ذكر عبارة المتاجرة بالأعضاء البشرية بدلاً من عبارة نزع الأعضاء يسبب إرباكا للقائمين على تطبيق القانون فيخلط بين تطبيق هذا القانون وقانون عمليات زرع الأعضاء البشرية رقم 85 لسنة 1986. كما إن المشرع العراقيِّ نص على وسيلة الخداع إلى جانب الاحتيال وهذا أمر منتقد كون تعبير الخداع مرادف لتعبير الاحتيال لذلك كان الأفضل الاكتفاء بإيراد إحدى الوسيلتين لان ذكر التعابير المترادفة يعد امرأ غير محبذ فكلما كان النص مختصراً كلما كان أكثر دقة.
كما إنه ذكر صور الاستغلال على سبيل الحصر خلافاً لما ورد في البروتوكول الذي ذكرها على سبيل المثال إلا إنه نص على غرض آخر للاتجار وهو البيع لذا فإن جريمة الاتجار بالبشر وفقاً للتشريع العراقي ممكن أن يكون الغرض منها البيع أو الاستغلال خلافاً لما ورد في البروتوكول والكثير من التشريعات المقارنة التي نصت على أن يكون الغرض من جريمة الاتجار بالبشر هو الاستغلال.
ويوجه لهذا التعريف أيضا الانتقاد نفسه الموجه للتعريف الوارد في قانون مكافحة الاتجار بالبشر الإماراتي كونه عرف الاتجار بالبشر بأنه " تجنيد الأشخاص " وهذا يعني إن محل جريمة الاتجار بالبشر هو أشخاص عدة وليس شخصاً واحداً. إن المشرع العراقيِّ قد أغفل عن ذكر نص مماثل لنص المادة (3/ج) من البروتوكول المتضمن استثناء الجرائم التي تقع على الأطفال من الوسائل المنصوص عليها وهذا يعني إن جريمة الاتجار بالبشر لا تتحقق طبقا للنص العراقي إذا وقعت على الأطفال إلا باستعمال الوسائل المنصوص عليها في المادة الأولى في حين يتوجب عدم اشتراط ذلك في الاتجار بالأطفال خصوصاً الأطفال الصغار جداً كالرضع والذي يتصور وقوع جريمة الاتجار بهم من دون حاجة إلى استعمال أي من الوسائل. وقد عدَّ التجارب الطبية صورة من صور الاستغلال في الاتجار بالبشر وهذا يعد موقفاً إيجابيا لكون هذه الصورة تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان متى ما ارتكبت باستعمال الوسائل المنصوص عليها بالقانون.
