غزو ثقافي
كلاسيكية الحياة الحديثة أصبحت تتمحور حول الحرية المطلقة ، حيث لا حدود تكبح جماح معتنقها بل إنها تنتصر للأهواء برعونة . كنتُ أجول في غياهب مواقع التواصل في انقطاع عجيب عن الزمن حتى مرّت أمامي تغريدة يتغنى فيها صاحبها بأفكاره التحررية التي لا تتوافق وصفة مسلم البارزة في البايو خاصته.
إن الغزو الثقافي بات يُسقط أقنعته تباعاً بعدما كان يتجمل بعبارات الحرية والنهضة الثقافية، فما الحاجة للتخفي وأتباعه لا يألون جهداً في بصق عقائدهم على بساط العالم الأزرق حيث لا قيود ولا غرامات على حروف ترضي عنجهية صاحب القرار.
حقيقة أقف عاجزة عن إبداء صدمتي بالأعداد المهولة التي تصفق طرباً لهم أم الخوض في ضحك لا منقطع، ينسلخ الواحد منهم عن بصيرته ويلبس عباءة " المثقف " وهم في عُرف الثقافة مدانون وعلى منصة الإعدام محكومون . قد يُماتُ حضور أمثالهم بالصمت عنهم لكن الرغبة في الظهور تخلق تمادياً ، مثال صغير قبل عدة أيام غرّدت " مؤثرة " بوقاحة قائلة : "مش هاد الدين اللي بتمشوا عليه في حياتكم؟ " بل وتمادت في حديثها عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، هنا نقف أمام أسئلة عديدة أهمها ما الذي يدفع الشخص للقيام بذلك ؟
إثارة الجدل ؟!
نعم سبب أكيد، الكثير من الأشخاص يملكون نهماً كبيراً للشهرة والوصول، وسياسة مواقع التواصل الاجتماعي لا تقصر صراحة، فالمواضيع الجدلية حديث الساعة والترند الأول فما أجمل من خلق جلبة تنقلك من قعر الظلام إلى قمة النور الزائف ولأن الضوء لا بد أن ينطفئ وتخمد نيران الضجة مبتلعاً إياها الزمن، فتراهم يعاودون الكرة بلا يأس " المهم نركب الترند "
كسب المال؟
ولمَ ترى المئات يسعون لكسب التفاعل على حساباتهم ؟ ليس سيئاً أن تخلق لنفسك دخلاً يغنيك عن الحاجة ولكن دع ميزان رشدك متوازناً فلا تُرجح الكفة للمال على حساب المنطق وتشبث بأخلاقك دون أن تُعري ذاتك.
التعلق بالأفكار ؟
حدائق الحب يا سادة بهية تٌميت بحسنها كل فكرٍ و تسكب على مائدة السمر في كؤوس سُكراً حلواً فلا ترى الشوك على ضفافها ، فالتعلق بالأشخاص يعني تعلقاً بأفكارهم وإن جابهت قدر المستطاع التأثر بهم ، وهو ما نراه اليوم عند البعض ، أحِبَ مشهوراً وستسقط في شباكه بسهولة فتصبح دميته المفضلة ، إن رأى أن هذا الشيء خاطئ إذن هو خاطئ لا معنى من جدال عقيم قد يفقدك رضاه ، و أين شخصيتهم ؟ لا بأس تراها النقطة البيضاء اليتيمة في بحور التطبع
وهنا يبزغ الغزو الثقافي بحلته الكاملة.
مهما تعددت الأسباب والحجج الواهية يبقى الجهل سيد الموقف بستائره المنسدلة على العقول ، فكلنا يملك من الأفكار فيضاً لكن المعرفة هي المصب الذي يُبقى النهر نقياً ، فابتعد عن وحل الضياع وجد لك كتاباً يشق نوراً يُعيدك للصواب
" لسه قدامك فرصة استغلها للتغيير "
