الخلود في مسرحية "الدقائق العشرون ما بعد النهاية"
تبدأ المسرحية بسؤال الجوكر عن ماذا لو أصبح الإنسان خالدًا، وكأن اللحظات الأولى للمسرحية تدفعنا إلى التفكير بدون سابق إنذار أو تمهيد. ومن ثم فهو ليس عرض تقليدي بل فلسفي يحمل بين طياته العديد من التساؤلات التى تدعونا إلى التأمل. قد يبدو إنه سؤال سهل الإجابة، ماذا لو أصبحت خالدًا يومًا ما؟! بالتأكيد مع ضمان الحياة الأبدية، سيفعل الإنسان كل ما يحلو له، ويخوض كل التجارب، وينال كل ما يشتهي، ولكن تدعونا المسرحية إلى هو أعمق من هذه النظرة السطحية.
استوحى المؤلف فكرة العمل من رواية صورة دوريان جراى لأوسكار وايلد، ولكنها تختلف تمامًا عن الرواية بالرغم من الإحتفاظ ببعض أسماء الشخصيات الرئيسية. علاوة على التوظيف الدرامى لعنصرى الموسيقى والإضاءة، وذلك لخلق جو عام يوحى بالغموض والإثارة وجذب انتباه المشاهد ودعوته للتماهى مع الأحداث. كما يدل استخدام الفصحى على أن هذا العمل الفني قد يعتبر وثيقة أو كتاب فلسفي ينبض بالأفكار الحية التى تتوارثها الأجيال.
نستكشف من تساؤلات دوريان عن الخلود سواء من خلال حواره مع الشخصيات الأخرى أو أثناء محاضرته أن الأمر ليس بهين، فهل حقًا يستطيع الإنسان أن يتحمل كل الآثام والأخطاء والإنكسارات ولحظات الندم والخذلان بشكل ممتد لا نهائى؟! وهنا نتوقف للحظات لنتأمل إذا كان الموت يمثل لنا الخلاص من كل ما تحمله النفس البشرية من عذاب وقهر وألم وشرور ويأس. لا يتركنا دوريان في سلام بل يلقى علينا السؤال التالى الأكثر صعوبة، وهو كيف يتم إثارة الإنسان الخالد في أن يقدم على أفعال أخرى طالما فعل كل ما يحلو له وكل ما استطاع فعله، وبالتالى يصبح أسير للرتابة والملل. وهنا يتم إلقاء الضوء على الجوانب الخفية والمظلمة للخلود حيث يفقد الإنسان لذة الحياة التي تتمثل في الأمل والشغف والحلم والأمل والحب.
على جانب آخر، تتناول المسرحية فكرة الإرادة الحرة، وسعى الإنسان في أن ينال حرية اتخاذ قراره بالرغم من أن الشيطان يحاوطه من كل جانب. نجد دوريان قد خضع إلى الشيطان الذي منحه الخلود، وإلى رسام مجنون رسمه منذ قرون حتى كادت الرسمة أن تشيخ، ولكنه لايزال يحتفظ بهيئته كما هى. فمن خلال حواره مع لامبارد تتضح رؤيته عن العالم حيث يستنكر المجد والترقى طالما في النهاية يكون مصيره القبر، وبالتالي يبيع نفسه للشيطان من أجل الخلود. وقد تبدو العلاقة بين الرسمة التى تشيخ وذاكرة دوريان الخالد علاقة طردية، فهو لا يتذكر مع من يتحدث، وما الذي تحدث به، وأسماء من حوله، وكأنه طفل تائه يبحث عن ملاذ يحتمى به على مدار المسرحية.
يفسر دوريان الحب على طريقته الفريدة- تحتوى على نظرة فلسفية عميقة- فالحب بالنسبة له لا يتمثل في مجرد كلمة منطوقة يقولها لحبيبته بل يكمن فالحب اللامنطقى والغير مروض حيث يمنح أزهار الكون لمحبوبته وتتغنى الطبيعة معه، فهو يقول لها أحبك بلغة يفهمها الجماد والطير، ولحظتها لا يحتاج الأمر منها سوى أن تنظر إلى السماء لتسمعها. وعلى الرغم مما سبق، فهو يصدمنا بإنه لا يعرف هذا الشعور، ولكنه يجيد وصف الكثير من المشاعر وكأنه عاشها! ربما قد يبدو دوريان مختل أو في حالة من الهذيان التى تدفعه للتحدث بصوت عالٍ مسموع، ولكنه أقرب إلى الصدق والحقيقة، فالذي يحب بصدق تنحنى أمامه العواقب والتحديات.
تعتبر علاقة الصداقة بين لامبارد ودوريان سامية، فمن خلال الحوار الدائر بينهما نستكشف قوة الروابط التى تجمعهما. يبوح لامبارد عن كل ما يدور بداخله بدون خجل أو تردد بينما ينصت إليه دوريان وينصحه ويرشده إلى الصواب. هذه العلاقة القوية تتفكك بسبب شعور لامبارد بالضعف والتردد وغيرته على سيبيل التى يحبها، والتي تفضل عليه دوريان مما يدل على أنه لا ضمان لأى شئ طالما دوافع الشر تحيط بالإنسان.
المسرحية من تأليف وإخراج حسام قنديل
تم عرضها على مسرح ساقية الصاوى
رابط المشاهدة على اليوتيوب من هنا

