بين مكان راحل ومكان مرفوض
عجبا كيف لصورة فقط أن تستعيد ماضيك؟
كأنك رجعت عدة سنوات والحاضر لا يعنيك
صورة بالحب تسعدك وأخرى بالحنين تبكيك
حتى أحلام النوم تأتي بما تحبه وسكن فيك
تصحو لا تعرف واقعك من الحلم وما يدريك؟
إن يقين الماضي خير من زيف حاضر يضنيك
لا تشرح شيئا فالكلمات لن تصف أبدا معانيك
وما تأصل جذر حبه في القلب يظل يحتويك
ينتشلك من واقع وقح لا يشبه ألحان أغانيك
وشكرا للتذكر فهو وحده النفَس الذي يحييك
إن عرفوا إخراج جذر شجرة الأرض لها تمليك
يعرفوا حينها أن ينسوك شيئا من الذي يرويك
فقط بإمكانهم قطعها ويا جذر الأرض تخفيك
والذكريات بين عين وجفن فمن الذي ينسيك؟
ذكريات كراحة للنفس وللجسد نقاهة وتدليك
كأنك غريق بلا مفر وكأنها القشة التي تنجيك
ذكريات تطوف بأيام النعم والسعادة والتبريك
قبل الواقع الممقوت الذي قبل ولادتك ينهيك
إذا كانت ذكرياتك في قلبك فمن عنها ينفيك؟
إن نفوا جسدك فروحك هناك مع الذي يعطيك
يعطيك الراحة النفسية وكم كان يسعد لياليك
فكيف لك أن تتأقلم مع مكروه يقتلك ويبكيك؟
وهل مع ظلام الليل هذا يمكن أن يصيح ديك؟
لا بل يستعيد صباحات مضت لأن موته وشيك
وإن كان قلبك مع ما تريد فلا بديل عنه يغنيك
بين مفقود مرغوب وموجود مكروه هل تأتيك؟
الأيام بما تبتغي أم تحرمك وما تكرهه تعطيك؟
إن الذكرى تسد الشرايين وما أود لها التسليك
لماذا تنساها وهي بجمالها عن الحاضر تُسَليك؟
دعها باقية في الوجدان كالصخر ما له تحريك
دعها تمل من وفائك وللنسيان تذهب تشتكيك
الماضي أخذ اليقين والحاضر يجلب التشكيك
يا جمال الماضي لا حاضر لا مستقبل يجاريك
فألف سنة منهما مقابل لحظة منك لن تساويك
يا متعجب من الحنين وما الذي يدري معاليك؟
أن الذي جرّب الرقي لن يعجبه عالم الصعاليك
يا قلب احفظ ذكراك هذه فهي للسعادة تهديك
احفظ وما الذي في الحاضر يمكنه أن يغريك؟
وما الذي في كلمات الحكمة عن مفقود يعزيك؟
عش مع ذكرياتك ففيها بعض من حب يحميك
وكأنها في عقلك تتشابك يستحيل لها التفكيك
رغم أساها لكنها وحدها التي تحفظك وتقويك
احفظها جيدا لئلا الدنيا بمرض النسيان تعديك
فوحدها الذكرى السعيدة مما لا يشبهك تفديك
سلام على ما كان حقا يسعدك وتبا لما يشقيك!
ما تبقت غير الصور مرة تجرحك ومرة تداويك
والنظرة لكل ما تعشقه من هموم الدنيا تشفيك
كأنك زهرة ذبلت حينما زُرعِتَ في غير واديك
لكل شخص شعور وفي شعورك من يضاهيك؟
فلكل احساس تفرد خاص بك وهكذا دواليك
فبعض الأيام تتخطاها وبعضها محفورة فيك
عشتها بكل تفاصيلها والتفاصيل ظلها سميك
من يعيدك إلى مرادك وبداخل ملاعبه يرميك؟
كاختلاف الليل والنهار وأين الشمس تغطيك؟
فارقتنا بعد مخبأ جاء وعن نور العالم يخفيك
كل لعنة على المخبأ وعلى كل من جعله يأويك
شتان بين بيان البلاغة وبين الأسلوب الركيك
شتان بين ما يخصك أنت وبين ما فيه شريك
فماذا أنت بفاعل بين حرمان وحنين يشجيك؟
إلا أنك تعيش حاضرك ولكن في ظل ماضيك
وهناك أوقات تمشيها وهناك أوقات تمشيك
يستمر ما يقتلك ويرحل كل ما كان يحييك
كأنك صرت مثل أسرار والبوح خائن يفشيك
فلا حديث تكتبه ينفعك ولا سكوت يجديك
كم صارعت حاضرك وعن كل فقدان ناهيك!
ترى كل النور أمامك وظلام الشكوك يغشيك
فلا يأس يأتي بالخير ولا الأمل يوما يطغيك
أماكن الجمال لن تفارقك هي وحدها ترضيك
لعنة على يوم فراقها لعنة على أسباب تنفيك
لا أي بديل لها وهل النجوم بعد القمر ترضيك؟
باقيك هنا وجذورك هناك في أعماق أراضيك
لا تتوهم النسيان وكل التفاصيل تعيش فيك
فأقل صورة تلهفك تنقذك من الواقع وتقويك
وتستمتع أيضا بها ولو كانت بذكراها تشويك
ومن يحب الورد يقبل الشوك منه والتشويك
ولو ندرت الصور فالصورة في قلبك تواسيك
تروي قصص ذكرياتك وقصصها بالماء ترويك
لكن مكان الحاضر الملعون يزرع الشوك فيك
شديد التعلق تنادي كل ما تحبه وهو يناديك
ترفض الهضم لكل ما تكرهه تعاديه ويعاديك
تحتاج ما عشت طفولتك فيها أماكن تراعيك
تراعيك وتسعدك وعن جميع الأحزان تواريك
ما بقي لك منها إلا نظرات بعيدة على شبابيك
تهز وجدانك تضحكك وتبكيك تربكك وتُدميك
نظرة خارجية بعد ما كانت كلها في ضواحيك
ثم صرت في المنفى بعيدا عن جميع نواحيك
ولو تنسى الذاكرة شيئا فالحلم للأشياء يُمليك
