أبو عبد العزيز مسيرة تُكتب بماء العزيمة 👌
د. علي بانافع
من جبر الخواطر الذي لا يدركه إلا أهل البصر والبصيرة، أن من يحال إلى التقاعد، يجب أن يشعره رؤساؤه وزملاؤه بأنه وإن أبعده النظام عن مكان عمله الذي قضى فيه معظم حياته، وعن زملائه الذين عاش بينهم أجمل أيام عمره وأروع ذكرياته، بأنه لايزال له في مكان عمله ود موصول، وتقدير مذكور، وله بين زملائه محبة دائمة لا تزول، ومعزة حبلها ممدود، فما أشد الانكسار لمن كان كل يوم يذهب إلى عمله ويعود، وإذا غاب سأل الجميع عنه، فإن كان مريضا عادوه وزاروه، وإن كان في حزن شاركوه فيه وواسوه، وإن كان في ضيق وكرب ساعدوه وفرجوه، وفجأة بعد التقاعد تغير حاله من النقيض إلى النقيض، فلم يعد له ذهاب ولا إياب، ولا سؤال من زميل ولا حتى عتاب، وهنا تظهر معادن الرجال من الزملاء، فصاحب المعدن الأصيل لا ينسى ذلك الزميل، فهو به مشغول، وللاطمئنان عليه غير مملول، وإن وجد له خيرا ذكَره وناداه.
هؤلاء الزملاء والأصدقاء، قيمة إنسانية عظيمة، قد تفرقنا الأيام، وتباعد بيننا المسافات ولكن تبقى قلوبهم تنبض بالحب الصادق، وتفيض بمشاعر المودة والأخوة الصادقة. أشهد الله أنكم جميعا تسكنون من القلب شغافة، ومن الجوانب ما بين الضلوع، طبتم وطابت أيامكم ومحبتكم النقية الصافية؛ فأمثال هؤلاء الرجال الزملاء عند الله من أهل جبر الخاطر، الذين ينجيهم الله من كل المخاطر.
قبل ليلتين شاهدت احتفال وتكريم لأخي وشقيقي الأكبر أحمد أبا عبد العزيز - واعتبره في مقام والدي رحمه الله - بمناسبة تقاعده وبلوغه الستين في تعليم مكة المكرمة، وما أعلمه - عن قُرب - أنه من حكماء القوم ورجال المجالس، وما تدخل في قضية إلا حلها بفضل الله ثم صبره، وقدرته على التحمل، وبصيرته التي تجعله ينفذ إلى لب القضية، فقد يكون الظاهر المعروض من الخلافات ليس هو الحقيقة - وبخاصة في الخلافات الزوجية - فيستأذن حكام المجلس لينفرد بالطرفين فيعودان إلى المجلس وقد حلت المشكلة في ستر وخفاء وعادت العلاقة إلى أفضل حالها.
بالإضافة إلى أنه طيب القلب، سمح النفس، يحب الجلوس مع الفقراء والضعفاء ويَعُد ذلك من باب جبر الخواطر. هكذا أيام الزمان في كر، ولياليه في سرعة تمر، وقطار العمر مندفع إلى محطاته بلا كوابح تكبحه، ولا موانع تمنعه حتى يصل بالجميع إلى محطة التقاعد وسن الستين. وفقه الله في حياته الجديدة؛ وأطال في عمره على طاعته ومرضاته سنين عديدة وأزمنة مديدة.
ملاحظة: للعلم والإحاطة هذه المقالة كتبتها منذ 2025/12/24 ولم يتيسر نشرها إلا اليوم بسبب عطل في المنصة أو الشبكة والله أعلم.
