ضاربٌ في الأرض مجدّدا
عمل التلغراف في محطات سكك الحديد على مدار الساعة لإرسال النصوص الصريحة والبرقيات المشفرة، في حين اندفعت في الطرقات مجموعة من المحققين ورجال الدّرك ومراسلي الصحف تتعقّب ليف تولستوي.
أجرت صوفيا أندرييفنا مقابلة مع مراسلي مجلة "روسكويه سلوفو" في ضيعة ياسنايا بوليانا. وكانت قد هرُمت في هذه الأيام الثلاثة وبدت شاحبة وخائرة القوى. ومع هذا فقد كانت تجيب عن أسئلة المراسلين عن طيب خاطر لأن الصحيفة كانت قد نشرت عنها مقالًا يتّسم بكثير من الاحترام. كانت تحاول في هذه المقابلة تبرير نفسها أمام العالم. في هذه الأثناء، كان قد استقلّ تولستوي قطاره في الساعة 7:40 صباحًا، ووصل إلى هناك في آخر لحظة، ولكن بعد فوات أوان شراء التذاكر، والتي تسلّمها في الساعة 2:34 ظهرًا في "محطة فولوفو". وكانت وجهته إلى مدينة "روستوف على نهر الدون".
وعلم بجهود البحث عنه من الصحف، وضايقه ذلك إلى حد كبير.
وبدأ يشعر بالحمى بين الساعة الرابعة والخامسة مساءً. وقاس درجة حرارته، فكانت 38.1 مئوية.
أبلغ الرقيب دانكوف، المناوب في "محطة ديكينو"، قوّات الدّرك في الساعة 5:30 مساءً، بأن تولستوي كان مسافرًا على القطار رقم 12.
وفي الساعة 6:35 مساءً، توقف القطار في إحدى المحطات. قرأ ماكوفيتسكي عبر النافذة اللافتة المكتوب عليها "أستابوفو". اندفع خارجًا إلى مكان ما، وأُمسك القطار عن التحرك، وفي غضون دقائق عاد بمعية ناظر المحطة. أُعين تولستوي في ارتداء ملابس الخروج، وعاونه ماكوفيتسكي وناظر المحطة في ترجّله من القطار. بقيت فارفارا ميخائيلوفنا في القطار لتجمع أشياءه. حُملت حقائب تولستوي للخارج، وأخذ القطار في التحرك. دخلت ألكسندرا مبنى المحطة ووجدت والدها جالسًا في حمام النساء. جلس على أريكة في الزاوية، مرتجفًا من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. وتجمّع حشدٌ فضولي على المدخل. واستمرت النساء في شقّ طريقهن إلى الداخل دفعًا ومعتذرات، يعدّلن تسريحاتهن أو يرتبن قبعاتهن أمام المرآة، ملقيات نظرة فاحصة على انعكاس تولستوي، ثم يغادرن.
ذهب ماكوفيتسكي وفارفارا ميخائيلوفنا وناظر المحطة لإعداد غرفة لتولستوي. وعادوا على جناح السرعة. سار تولستوي عبر غرفة الانتظار معتضدًا بماكوفيتسكي من جانب وبفارفار ميخائيلوفنا من الجانب الآخر. وكان هنالك الكثير من الناس. خلع الرجال قبعاتهم وانحنوا، وردَّ عليهم تولستوي برفع يده إلى قبعته.
في غرفة جلوس ناظر المحطة، أُعدّ لتولستوي سرير أثير ذو نوابض، ووُضعت حقائبه بمحاذاة أحد الجدران. وريثما كانت فارفارا ميخائيلوفنا ترتّب السرير، جلس تولستوي على كرسي، مرتعشًا في معطفه المبطّن بالفراء. كانت ألكسندرا تخشى أن يكون والدها على وشك التعرض لإحدى نوبات الإغماء.
قال لها: "ضعي طاولة سرير جانبية وكرسيًا بالقرب من السرير، وضعي على الطاولة شمعة وعلبة ثقاب ومصباحي".
واستلقى. ارتعش وجهه، وكذلك ذراعه اليسرى وساقه.
جاء طبيب المحطة وأعطى تولستوي قليلًا من النبيذ. وبحلول الساعة التاسعة شعر بتحسّن طفيف. اضطجع بطمأنينة، وصار تنفسه أهدأ وأكثر ثباتًا. وكانت درجة حرارته تنخفض سريعًا.
وفي جوف الليل نادى ألكسندرا وسألها:
"أيمكننا المغادرة غدًا؟"
وأخبرته بأنه سيتعيّن عليهم الانتظار ليوم واحد.
وتنهّد حزينًا لكنه لم يعارض. وبدأ يغفو ويتحدث أثناء نومه.
ولما قيست درجة حرارته في الصباح كانت طبيعية.
كان أخشى ما يخشاه تولستوي أن يبلغ الصحف خبر مرضه، ولهذا أبرق برقية عاجلة إلى تشيرتكوف: "مرضت بالأمس. رآني الركاب أغادر القطار متعبًا. أخشى شيوع الخبر. أشعر بتحسن اليوم ومواصلة الرحلة. اتخذ الخطوات اللازمة. أبلغني. نيكولايف". كان استخدام اسم نيكولايف حيلة صبيانية ابتكرها تشيرتكوف.
كما أبرقت إليه ألكسندرا برقية قالت فيها: "إكمال الرحلة أمر غير وارد. إنه يرغب في رؤيتك. فرولوفا" (كان هذا اسمها الرمزي).
وفي الأول من تشرين الثاني، كتب تولستوي رسالة إلى أهله. تبدأ رسالته هكذا: "أبنائي الأعزاء، سيروجا وتانيا، أرجو وأظن أنكم لا تلوموني لأنني لم أطلب منكما القدوم إليّ هنا. طلب حضوركما وحدكما، بدون أمكما، سيجرحها ويجرح أخوتكم جرحًا بالغًا. وستتفهمان كلاكما أن تشيرتكوف، والذي طلبت منه القدوم، بمنأى عن هذا. فقد كرّس حياته للقضية التي خدمتها الأربعين عامًا الماضية. لا يعني ذلك أنني أعتبر هذه القضية عزيزة جدًا، كما أدرك - أكنت مصيبًا أم مخطئًا - أهميتها للناس، ولكما أيضًا من بين الناس أجمعين ..."
وأصبح محمومًا. يئن ويتقلّب على السرير. وبحلول الساعة الرابعة صباحا ارتفعت حرارته إلى 39.8 مئوية.
وصل تشيرتكوف في الثاني من تشرين الثاني.
وجاء سيرجي الساعة الثامنة تمامًا. وأخبر والده بأنه علم بمكانه بالصدفة من جابي تذاكر في جورباتشيفو. جاء مباشرة من موسكو. كانت والدته في ياسنايا بوليانا، بمعيّة طبيب وممرضة، وكان الأطفال الصغار معها أيضًا. وقبَّل يد أبيه.
ولما غادر سيرجي الغرفة، قال تولستوي لألكسندرا: "تصوّري أنه وجدنا! إنني مسرور جدًا بمجيئه؛ فإني أراه شخصًا دمث الأخلاق. لقد قبّل يدي!" ثم أجهش بالبكاء.
كانت الحياة شاقة على العالم وفي المنزل، بجانب زوجة أحبته حبًا يتجاوز الحدّ، ولم تكن منزعجة من عجزها عن فهمه. كانت الحياة شاقة على الأسرة، إلا أن تقبيل إبنه يده وعدم محاضرته عليه في ساعاته الأخيرة كان أمرًا يبعث على الرضى لرجل يعلم أنه هو نفسه كان مؤثّرا على عقول العالم في كثير من النواحي ...
كانت الحياة تقترب من نهايتها ...
وكذلك اقتربت نهاية عذاباته وتردده. تخيّل تولستوي أن امرأة كانت تحدّق به عبر الباب المغلق بإحكام.
وفي 5.30 من صباح الثاني من تشرين الثاني لعام 1910 كانت صوفيا أندرييفنا تكتب إلى زوجها:
"قبل افتراقنا، وربما للأبد، لا أريد أن اختلق أعذارًا بل أن أوضح لك السلوك الذي اتهمتني به في رسالتك إلى ساشا". انتهت الرسالة بهذه الكلمات: "كنت ستغادر المنزل على كل حال، فقد كنت أتوجّس رحيلك توجّسًا أوقع الفزع في نفسي".
كان الأطباء يتجمّعون في أستابوفو. كان رحيل تولستوي عن منزله ومرضه حديث الناس. شرب مراسلو الصحف وتجاذبوا الحديث بحماس في مشرب المحطة. وأُبرقت البرقيات. أراد كل منهم أن يسبق الآخر في نقل خبر الوفاة. وأُعدت مقالات النعي لإخطار العالم بوفاة أحد أعظم رجالاته. وبعث المحافظين ورجال الدّرك الاستفسارات: هل يُترك تولستوي يموت في غرفة محطة سكة حديد ليست مخصّصة لمثل هذا الغرض، ولا أن يُعاد إلى مسكنه، أو يُحمل إلى مستشفى؟ لم يكن بالمستطاع نقله. حط الناس أنظارهم على "أستابوفو"، وأبطأت القطارات التي تمر بهذه المحطة وأُخرست صافارتها.
ووصلت تاتيانا.
وفي الثالث من تشرين الثاني كتب تولستوي في يومياته آخر مُدوّنة: "يا للأسف لخطتي. افعل ما يتوجّب عليك ... وكل هذا سيؤول لخير الآخرين، ولخير نفسي قبلهم". اتفق الأطباء على أن تولستوي مصاب بالتهاب رئوي.
جاءت صوفيا أندرييفنا عبر قطار خاص، ولكن لم يُسمح لها برؤية زوجها. وبقيت في عربتها.
كتبت صحيفة "أوترا روسي" في الثالث من تشرين الثاني:
"التلغراف يعمل دون توقف. تأتي الاستفسارات من وزارة الاتصالات، وإدارة سكك الحديد، وحكّام كالوغا وريازان وتامبوف وتولا غوبرنيا. أُمطرت عائلة تولستوي بوابل من البرقيات من جميع أنحاء روسيا والعالم".
تفاقم المرض على تولستوي. لم يستطع النوم، فكان ينعس ويستغرق في هذيان.
وفي ليلة الثالث من الشهر، جلس منتصبًا على سريره فجأة ونادى بصوت عالٍ: "ماشا، ماشا!" كان ينادي ماريا، أحبّ بناته إليه، والتي ماتت في عام 1906.
وفي الرابع من شهر تشرين الثاني، أبرق ضابط صف قوّات الدّرك فيليبوف إلى قائده: "أتوقّع الوصول إلى أستابوفو صباح اليوم الخامس ببنادق وخراطيش".
وأبرق حاكم تامبوف إلى حاكم ريازان: "إذا اقتضت الحاجة إلى العون لحفظ النظام، من الممكن بعث رجال الشرطة والحرس من ليبيديان وكوزلوف".
وصل ن.ب. خارلاموف، نائب مدير إدارة شرطة تولا، متخفيًّا. وكانت الاضطرابات متوقعة.
يتذكّر سيرجي مساء اليوم السادس قائلًا:
"تقلّب أبي في فراشه، وتأوّه بصوت عالٍ، وحاول النهوض على السرير... كنت أتألم، كلا، بل راعني ما قال بصوت عالٍ ونبرة تنمّ عن الحزم، ناهضًا قليلًا: "أهرب، يجب أن أهرب".
سُمح لصوفيا أندرييفنا بالدخول على زوجها بعدما بلغ الأمر منتهاه. فقد كان ينازع النَفَس. وأُعطي أكسجينًا ليتنفّس. أراد الأطباء إعطائه حقنة مورفين، إلا أنه قال: "كلا، لا تفعلوا". وحُقن بالكافور.
فنادى سيرجي، وهمس له بشيء. استوعب سيرجي الكلمات:
"الحقيقة ... أحبهم كثيرًا ... جميعهم..."
تغيّر تنفسه: صار الصوت أشبه بجرش منشار يدوي.
قال وهو يغفو:
"سأذهب إلى مكان لا يضايقني فيه أحد. دعوني وشأني".
وأُعطي ماءً ليشرب. حتى أنه تسلّم الكأس بيديه وشرب.
ثم تلاشى نبضه. وتوقّف نَفَسه.
وقال الطبيب أوسوف: "التوقف الأول".
ثم قال:
"التوقف الثاني..."
لم تكن هنالك سكرة موت.
مات ليف تولستوي في الساعة 6:05 صباحًا، في السابع من شهر تشرين الثاني (في العشرين من نفس الشهر وفق التقويم الجريجوري) لعام 1910.
