الى ذلك العابث الأهوج
"يتباطئ دوران الإطار كما في الأفلام الغربية، الأفغاني يرمقه مستندًا على المقود، من خلف الزجاج دون نداء، وبتباهى، يعلم الآخر أن مخلصه الأفغاني (السائق) على عجلة من أمره. يركب وسرعان ما يجد مقعده المعتاد بجانب الشباك. تستند الرأس برفق ويلفظ الأنفاس الأخيرة...
قبل ليلة، يوم ما من تموز الستينيات. رأيت شيئًا يشبه البشر، قصير القامة وعريض المنكبين، يبدو حقيقيًا ويثير الرعب، أو الضحك (إن كنت ثملًا). كثور عملاق القرون يقف وحيدًا، ليس أعزل ولا هو في ملأ... لا يملك خيارًا سوى تقمص الجنون، لا الهرب ولا التمثيل بالموت ولا السماح لنفسه بالهلع.
ترى ما هو الجنون والمجون؟ تلك الطلقات الطائشة الوفيرة تمثل عرضًا مسرحيًا لا يمكن أن يخطر على بال أعقد وأشرس العقول. ولا حتى جون ويك البعبع! تلك كانت إصابات مؤكدة لأطفال، وأرامل باكية، والحاج حتى القسيس.
على بقعة غير بعيدة من ذلك الحدث: يجري ما هو أغرب. شخص ما يرتب على كتف قرينه، يركل خواطره ويجادل ويلعن الذباب، الدخان، القهوة... ينتزع طرف السيجارة من شفتيه و يهرسها بمشط قدمه... إلا أن الباص والحافلة والقافلة لم تمر بعد بالمحطة.
يغفو حين يضع فص دماغه الأيمن على الشباك ويدع برودة المكيف تداعب قفاه. سرعان ما يلتقط الفارس باقي الموظفين وتمتلئ مقاعد الحافلة. الجميع نائمون، هائمون، أو وجوههم مضيئة وسط الظلمة وأصابعهم تمرر الشاشات.
غريب أن نشرة الأحداث والتطهير وبكاء الأطفال هي المقاطع العشوائية الوحيدة التي تعاود الظهور كلما قلد الجالسين. غريب أن لا أحد يشاهدها، وما إذا شاهدوها؟؟؟
في النهاية،
الضحية وسط القطيع حرجة جدا مقارنة بوجود أقل عدد من الشهود! علم النفس يشير إلى ذلك-ليس من ابتداع أمي. كان دومًا يُلقّن في صغره أن الحافلة بيئة مخصصة للجلوس بهدوء دون اللعب أو وضع حدّ لحماقة الكبار! إلا أنه أدرك للتو كم فقد من طفولته ما فقدت المرأة عشيقها، وفقدان الرجل كل المروءة، والفتاة عذريتها.
الأمر لا يتعلق بالحافلة!
