المستحيل
ما من إنسان على وجه الأرض, إلا وبه نقص في جانب ما, من جوانب نفسه, فالنفس الإنسانية يعتريها الضعف, كما تشعر بالقوة, بالذكاء والغفلة في بعض المواقف, إن طلب الكمال لنفس إنسانية أمر مستحيل, فذلك ضد طبيعتها, أمر تنوء به طاقة البشر, تعجز عن تحقيقها, فإذا ما أعتاد الإنسان النجاح والتوفيق, في أمر من أمور الحياة, فهو في أخر أعجز ما يكون من تحقيقه, فليس في الأمر إذن صعوبة في أن يدرك الإنسان قدراته, فهو ليس إلها إنما هو مخلوق, يجتهد ثم هو يخطيء ويصيب, وما بين الخطأ والصواب تكون الحياة, التي كُتب على الإنسان أن يحياها ويعيشها بتركيبته وطبيعته, فلسنا دائما على صواب, وغيرنا على خطأ, لا بد أن نهيأ نفوسنا على أن يكون هناك إحتمال خطأ فيما نعرف ونقرر, وإننا نقر صواب ما نعمل, لأن ما نؤمن به يرضي عقولنا, ولم يظهر لنا ما يناقض معرفتنا له, فإذا ظهر نعود لنقر بخطئنا, فمن مقتضيات العقل أن يعترف وأن يقر, إذا كان هناك ما يظهر خطأه, وإننا يجب أن نغرس في نفوس أطفالنا الصغار هذه الحقيقة, القانون الإلهي في بنية الإنسان وتكوينه, فالإقرار بالخطأ ليس جريمة, الجريمة أن تؤمن بأنك إله لا يخطيء, وتعطي نفسك أكثر من حجمها وما يناقض طبيعتها, إننا حين نؤمن بآرائنا ونكفر بآراء الأخرين, فنحن نكفر بالجميع, نكفر بطبيعة الإنسان بإمكانياته وعقله, أما أن تكون هناك تلك الإحتمالية في خطيء وصواب غيري, فهي النجاة, هي الإيمان الصحيح لما تؤمن به, وترى فيه الخير, فتكون قناة لقلب المعايير أن كان هناك ما يعارضها بقوة العقل والمنطق, مآساتنا الكبرى أننا ندخل أي مناقشة بأحكام مسبقة يقينة, لا هوادة في التزحزح عنها, وكأنها أحكام سماوية وليست أراء, يختلف فيها الرجال والنساء, وربما هي عند الصبية أشياء أخرى أو تفاهات, يدور حولها عقول متصلته صلبه عتيقة, عاشت على ما هو عليه, وسوف تموت على ما عشت عليه, إننا إذاً نقف أمام أزمات نفسية لا عقلية, نجعلها تتحكم فيما نرى ونحب, نتمسك بها لا لأن العقل أقتنع بها, وإنما هي أهواء تتحكم فينا دون أن نشعر بما تمليه علينا, فإذا ما تحللنا أو تعقلنا الأمور, وتأملناها, وجدنا أغلب ما نعتقده ونتمسك به إنما هو عبودية من نوع أخر, أسرى لها نسمع ونطيع دون أن يكون لنا تلك الإرادة, التي تُسعفنا في الإختيار المطلوب, ولصعب علينا ماكنا فيه من غفلة, فنتمادى أكثر في التمسك به, فالسذاجة والتغفيل أمر شديد على نفس الإنسان في إعترافه إهانة له ولقدراته العقلية, فطوال حياته يظن أن تفكيره صواب, وأن أموره العقلية وقضاياه متزنة, بفضل عقله وتفكيره, فإذا به يتمادى في غيه وضلاله, وظلام ما كان فيه, فيظل على حربه الخاسرة ومنطقه الغير سديد, مدافعا غن نفسه أولا ثم أرائه وأفكاره ثانية, ويتأرجح بين هذا وذاك إلى أن ينتهي في أيدي الأخرين يقرأون ويتسلون ويضيع كما ضاعت حياته بأكملها, وراء سراب خادع وأمل مكذوب.
