انا شخص سمني ما شئت ، يعتبرني البعض لص من لصوص القصص ، اسمي عين ، تعمدت بإختيار اسم مستعار حتى لا أكشف عن شخصيتي الحقيقية ،و اتعرض للمسائلة القانونية او المحاكمة في مَحاكم القصص السرية . أجول في أنحاء المدن لأغوص في أعين الناس ، هذه الأعين تتكلم بلغة لا يفهمها الا القليل من أمثالي ، لأنتشل و اسرق منهم قصصهم المدفونة داخل أبعد نقطة في أعماقهم التي لاطالما أخفوها عن الناس . لذلك عندما ترى نظراتي المبعثرة تجول في الأنحاء و تحاول اصطياد قصة من القصص .. نصيحة أشح بنظرك عني ولا تكابر ودعني أمضي في حال سبيلي.
معزوفة كهرمان 🎻
ألحان باكية يعزفها رجل ، مصاحبة لكلمات مبعثرة لاتكاد أن تكون مفهومة ، ونظرات مشتتة كطلقات عشوائية تصول و تجول في كلالإتجاهات و كأنها تبحث عن عين أخرى تستقر داخلها وتخبرها بقصة هذا الرجل .
لكن هذه المرة لن ألقي لها بال و سأكمل طريقي في سلام ، لكي أستمتع بالأجواء الجميلة و بقطعة الشوكولاتة اللذيذة الذائبة في فمي …
لكن لحظة لحظة !!
ماهذا الشعور الغريب الذي أشعر به الآن .. وكأن إحدى هذه الطلقات أصابتني …
يا إلهي .. إنني أعود مرة أخرى إليه و كأن هناك مغناطيس يجذبني نحوه ..
تجمدت قدماي أمامه تمامًا ، و ألتقت عيني بعينه وكأنه صديق قديم أعرفه جيدًا .
لم أستطع أن أشيح بنظري عنه ..!!
ماهذا الجنون !! من أنت !!
اخرج من رأسي !! لا تعبث بذكرياتي وأفكاري وتحركاتي دون إذني … لن أسمح لك … تبًا لك !!
صوت يكلمني و أسمعه بوضوح ، صوت لا يشبه صوتي الداخلي ،
يتكلم بنبرة غليظة ، لكن لا يستطيع سماعه أحد غيري و كأن شخصًا سكن في داخلي .
أنا : من أنت يا هذا ؟!
الصوت : أنا الرجل القابع أمامك تماماً .
أنا : وماذا تريد مني ؟! اتركني و شأني.
الصوت : سأتركك وشأنك لكن أريد أن أُخبرك بكل شي أولاً.
صمتُ لوهلة لكن حبي الشديد لسماع الحكايات و القصص خصوصاً من أفواه أصحابها دفعني لقبول العرض .
أنا : لا مشكلة . ماهي قصتك ياعم ؟!
الرجل : ناديني هالس آغا، كُنت شاب في مقتبل العمر محدود الدخل ، أعمل كمزارع في إحدى القرى الصغيرة .
في يوم من الايام و أنا أقوم بالحفر داخل مزرعتي الصغيرة و إذا بي أُصادف صندوق خشبي قديم ، تفاجأت ، و بدأت تجلجل الأفكار فيرأسي .
ماهذا الصندوق ؟!
هل هو كنز ؟!
أم صندوق مليئ بالذهب ؟!
قمت بحمل الصندوق فإذا به صندوق أخف من أن يكون في داخله سبائك ذهب أو كنز من كنوز غنائم القراصنة
التي مازالوا يبحثون عنها في كل قصة .
كان الصندوق مغلق بقفل صغير ، دفعني فضولي لفتح هذا الصندوق و معرفة ما بداخله .
قمت بحمل فأسي و كسر الصندوق ..!!
كان داخل الصندوق ( كمان ) صغير وهو آلة عزف لمن لا يعرف ماهو الكمان لكن كان له شكل غريب ،
قمت بمسح الغبار من على الكمان وتركت عملي وحاولت العزف على الكمان مراراً و تكراراً ،
لكن لم يكن يصدر سوى صريراً مزعجاً .
وخلال محاولاتي البائسة في العزف حدث شي غريب جداً لا يحدث الا في الأساطير و الحكايات .
ظهر من داخل الكمان مارد ضخم جداً له لون ازرق فاقع و قال بصوت عالي و مخيف :
شبيك لبيك كهرمان بين يديك .
قمت بترك الكمان من يدي وتسارعت نبضات قلبي وهممت بالهرب .
لكن قال المارد: لا تخف فأنا خادمك من الآن وصاعداً ، أنت قمت بعزف معزوفة خاصة لإستحضاري ،
و لك أُمنيتان تمنى ما شئت .
تماسكت و فكرت قليلًا ثم قلت في نفسي لماذا لا أستغل هذه الفرصة و أذهب إلى المستقبل و أنظر
ما إن كانت حياتي ستستمر كما هو مخطط لها ام لا ؟
هل سأحظى بحياة رغيدة ؟!
هل سأحظى بزوجة ؟!
هل ينتهي فقري هذا ؟!
و كيف ستكون الحياة هناك ؟!
و كانت كل إجاباتي تعتمد على إنتقالي للمستقبل .
ثم تماسكت و جمعت كل حروفي المبعثرة ، لتخرج جملة واحدة فقط وهي : أُنقلني إلى المستقبل .
فرد المارد وقال : موافق ولكن احتفظ بهذا الكمان لأنني سأختفي تماماً من بعد هذه الأمنية ،
و سأعود عندما تعزف مره أُخرى .
قلت له: موافق.
أغمضت عيني للحظة …
و فجاءة وجدت نفسي بالقرب من بحر كبير وحولي أصوات جموع من الناس يتحركون بسرعة
و في أيديهم أجهزة لا أعلم ماهي أو ماذا تفعل لا ينظرون إلا لأجهزتهم البائسة و كأنهم لا يعبؤون لوجودي ،
شعرت لوهلة أني أصبحت شخصاً غير مرئي ، وكانت هناك مركبات تتحرك تارة و تقف تارةً أخرى ،
و يصدر منها أصوات أبواق مزعجة جداً كأنها بداية إعلان حرب أو ما شابه .
لقد تبدلت الأكواخ الخشبية الصغيرة و أصبحت طويلة جداً و أختفت المزارع و الحقول الجميلة .
دخلت إحدى هذه الأكواخ الكبيرة و ياللدهشة قابلت أمامي شي يعكس صورتي و تحركاتي .
من هذا العجوز ؟!
قد إشتعل رأسي شيباً !!
و أرتسمت ملامح التجاعيد على وجهي .
نعم إنه أنا لكن هذه نسختي المستقبلية !
لم أستطع الوصل لقريتي الصغيرة و تفاجأت مرة أخرى بعد معرفتي بأنني أصبحت في عام 2025.
عالم آخر و أشخاص مزيفون تغيب عن ملامحهم الإبتسامة الجميلة ، أُريد العودة حقاً ،للماضي و جمال الماضي .
تذكرت كلام المارد كهرمان و أمسكت بالكمان وبدأت بالعزف لمدة ساعات طويلة ولأيام عديدة لكن دون جدوى .
لم يحضر كهرمان أبداً لأني نسيت كيف أقوم بعزف المعزوفة الخاصة بالاستحضار.
وها أنا ذا قابع في هذا العالم البائس المليء بالوجوه العابسة و المكفهرة التي
لا تتنازل حتى بابتسامة صغيرة ولو كانت مصطنعة ، توحي بتقبلكم لي بينكم في هذا العالم .
أُحاول جاهداً تذكر هذه المعزوفة اللعينة و العودة إلى شبابي و مزرعتي الصغيرة وعالمي الجميل .
سكت الشخص سكوتاً تاماً و سقطت دمعة من عينه ومعها سقط هذا الشخص من رأسي و شعرت بصداع شديد
و قلت له بصوت يسمعه جميع من كانوا حولي : تعلمت منك درس لن أنساه ما حييت …
من أستعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه وأكملت طريقي أنا و قطعة الشوكولاتة الذائبة في فمي ..
