- مقدمة:

في استطلاع صحفي عن هوايات طلاب الثانوية، أجريته لصالح مشروع تعليمي افتراضي.. أجاب الطالب بثانوية أمبدة النموذجية في الخرطوم نور الدين التجاني محمد قائلًا: أنا محب للتعلم والمعرفة، أهوى قراءة الشعر والكتب الثقافية، من هواياتي المهنية التصوير والإعلام، وأشارك كمقدم برامج في الإذاعة المدرسية. أميل إلى البيولوجي وأطمح إلى دراسة الطب البشري. أما أيمن حماد محمد، طالب الصف الثاني في مدينة شرق النيل بالخرطوم أيضًا فقد قال: أهتم بهواياتي وقد أصبحت أكثر تركيزًا في ممارسة هواية الإعلام، وأحفز أشقائي على الاهتمام بهواياتهم أيضًا. أما ثالث من استطلعتهم في العاصمة فقد كان علال عبد الله هنو طالب الصف الأول في مدرسة تاج الحافظين بمنطقة الكباشي شمالي الخرطوم: تغيرت نظرتي لهواية الكتابة، وبدأت أحس بأنني كاتب فعلًا. كانت هواية الإعلام قاسمًا مشتركًا بين نور الدين وأيمن وعلال،  فهل ستستمر إجابات طلابنا على نفس المنوال؟ في مدينة الفولة النفطية وسط البلاد استطلعت عددًا من طلابها عبر فيسبوك، وقال علي صالح مضوي الطالب في المدرسة الثانوية الأميرية وعضو جمعية الهلال الأحمر بالمدينة: من هواياتي الإسعافات الأولية والتدريب وهي هوايات تطوعية، ومن هواياتي الرياضية كرة القدم. عدت إلى مضوي بسؤال آخر عن تصنيفه للهوايات، وهل ثمة أصنافا أخرى إلى جانب التطوعية والرياضية؟ فأجابني بهدوء: قبل حصولي على دورات الهلال الأحمر، حضرت دورة في المواهب والهوايات، تعرفت خلالها على تنصيف الهوايات وأقسامها الأربعة، المعرفية والرياضية والعملية والتطوعية. وكان ممن استطلعتهم في نفس المدينة شرف الدين أحمد الحلو: "من هواياتي كرة القدم والكمبيوتر وبرمجة الموبايل، والاهتمام بالهوايات يعزز المهارة، ويمنح مزيدًا من الثقة بالنفس".


- تطوير أنشطة الطلاب:

تتطلب برامج تعزيز الهوايات، توفر أدوات جيدة لاكتشاف مواهب الطلاب وميولاتهم المعرفية والمنشطية الأخرى. وبمقدار جودة الأدوات وفاعليتها، وحداثتها، يكون تجاوب الطلاب، وتفاعلهم مع البرامج المقدمة واستفادتهم منها. ويرجع الاهتمام الكبير بأنشطة تنمية القدرات إلى نشطاء "التنمية البشرية" وجهودهم المستمرة في التأكيد على أهمية اكتشاف الذات وتنميتها، والتخطيط للأنشطة ووضع الأهداف، إضافة إلى تركيزهم على سلة موضوعات نفسية من قبيل الثقة بالذات والإيجابية والأمل، وربط كل ذلك بالنجاح الشخصي والمؤسسي. وقد مثل نشطاء التدريب في كل بلد على حدة، دور المجسر لعلاقة المدارس والجامعات التقليدية بمؤسسات أخرى ذات تأثير كبير في ساحة الفعل التثقيفي والتربوي، ولم تكن الجهات الإعلامية وحدها من استفاد من عمليات التجسير، بل استفاد منه بدرجة أكبر نشطاء المجتمع وهواة الأعمال الخيرية أيضًا. كتب ناشط في الفضاء التربوي بالسودان: «بغض النظر عن السن والدراسة، كلنا بحاجة إلى تشجيع وتحفيز، لكن الأطفال أكثر حاجة لمن يهتم بهواياتهم ومبادراتهم حتى لو كانت بسيطة في نظرنا». ويضيف: «إن اهتمامنا بهم يعتبر أكبر دافع يصنع الثقة في نفوسهم، ويحفزهم لتحقيق رغباتهم وآمالهم». 


وتتنوع الأنشطة التربوية بالمدارس، وتتعدد أساليبها، وإن كانت مشتركة في هدفها العام بتخريج طالب أكثر معرفة بذاته وقدراته، وذي قدرة على المواءمة بينها وبين اتجاهاته المعرفية والمهنية مستقبلًا. يقول الأستاذ إبراهيم يوسف: “للاهتمام المبكر بهوايات الطلاب وميولهم تأثير جيد في اختياراتهم الدراسية والمهنية مستقبلًا، ونحن بحاجة لمثل هذا الاهتمام الذي يساعدنا في اختيار أفضل ما يناسب قدراتنا وميولنا”. ويقول حسن عبدالله حسب الله، طالب التربية بجامعة كردفان السودانية: «إن ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻌﻤﻞ عادة ما يبحثون عن ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﻭﺍلقدرات كاﻟﺘﺨﻄﻴﻂ ﻭﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ، ﺃﻭ ﺣﻞ ﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﻭﺗﺤﻤﻞ ضغوط العمل، ويفترض في الأنشطة التربوية التركيز ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺪﺭﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻫﺐ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ آﺧﺮ». وحتى نحقق فاعلية أكبر لأنشطتنا التربوية، لعلنا بحاجة مستمرة إلى:

1- التعرف على ملكات الطلاب وقدراتهم وهواياتهم، وآلية ذلك أن نستخدم أدوات أكثر جودة وحداثة في اكتشافها، ونستفيد من المتاح من الكتابات ذات الصلة، وبرامج التدريب وتنمية القدرات، وإن كانت لنا ملاحظات وتحفظات على بعضها شكلًا ومحتوى.

2- الاهتمام بالتكامل في تنمية مواهب الطلاب (ذهنية، بدنية، نفسية) عبر أنشطة متنوعة ومتوازنة؛ لصياغة شخصيات متكاملة محبة للحياة والخير والجمال، وذات طموحات معرفية متوازنة.

3- الاتجاه إلى تخصص ودائرة منشطية أصغر في إطار الهوايات والاهتمامات نفسها؛ لتحقيق مخرجات ونتائج أكثر جودة. ويتحقق التطور بالتركيز في مجال محدد، ومن ثم توسيع دائرة النشاط والانطلاق إلى فضاءات أكبر.


في انشطة تطوير الهوايات، عادة ما نفتقر إلى أدوات وخطط من شأنها تعزيز التعلم وتحقيق قدر عال من الفاعلية والتأثير، فضلا عن عدم توفر أدوات جيدة لقياس النتائج. فيما يلي، سنتعرف على خطة مقترحة لبرامج التنمية الذاتية، في مسعى لتعزيز نجاحات البرامج الجارية، والتمهيد لأفكار جديدة في ذات الميدان. 


خطة الانشطة الأربعة:

تفترض "خطة الأنشطة الأربعة" أن عامة أنشطتنا الشخصية قابلة للتصنيف تحت أربعة عناوين رئيسية، ويضم كل منها تفاصيل وأمثلة قد تتباين لدى الأشخاص، لكنها متجانسة بدرجة عالية في العناوين الكبيرة. وتعتمد الخطة على مفهوم جديد للهوايات، يعرف الهوايات بأنها جميع الأنشطة المفضلة للشخص، ويصنفها إلى أربعة أنواع هي المعرفة والرياضة والعمل والتطوع. وتأسيسا على التصنيف المشار إليه، فإن المعرفة تمثل العنوان الأول في “رباعية الأنشطة” وتليها الرياضة، فالعمل، ثم التطوع. وأقصد بالمعرفة كل الأنشطة المتصلة بالتعلم والتحصيل المعرفي، بغض النظر عن أدوات التعلم ووسائله، وما إذا كان مؤسسيا نظاميا أم حرا مفتوحا.. أما الرياضة فأقصد بها "كل الأنشطة المتعلقة بالرياضة والترفية والألعاب، بمختلف صورها وأنماطها". وأعني بمنشط العمل "جميع الأنشطة المهنية والإنتاجية، وكل ما يطلق عليه عملا في العادة".. ويلي العمل، النشاط التطوعي وإن كان في حقيقته، نوعا من ضروب العمل، إلا أن طبيعته ودوافع الإقبال عليه عادة ما تكون مختلفة عن العمل التقليدي الهادف إلى تحقيق عوائد مادية محددة.


في خطة الأنشطة الأربعة، يهتم (المدرب) بالتعرف على طبيعة وتفاصيل كل من الأنشطة الأربعة لدي كل (متدرب) على حدة، في محاولة من الخطة للتخلص من عادة “الوصفات السحرية” الشائعة في كتب ودورات التنمية الذاتية. إن تطبيق خطة الأنشطة الأربعة من شأنه بناء تواصل أكثر جودة بين المدرب والمتدرب؛ حيث يشعر الأخير بملامسة البرنامج التدريبي لأنشطته الفعلية ومخاطبته لما وراءها من احتياجات. على سبيل المثال، فإن التعرف على الأنشطة المعرفية الجارية للمتدرب يمنحه فرصة لاكتشاف ما يربط بينها من صلات وعلاقات، والتعرف على ما تعبر عنه من قدرات وملكات.. فضلا عن لفته إلى الاهتمام بمدى علاقتها بما يطمح إليه مهنيا واجتماعيا. تهتم الخطة بما يتوفر من علاقات بين الأنشطة الأربعة للمتدرب؛ للتعرف على العلاقات الداخلية بينها، وما يربطها مجتمعة بما يطمح إليه المتدرب من نجاحات في المستقبل. ويعد اكتشاف العلاقات بين المفردات مرحلة متقدمة في التعلم والمعرفة تتطلب تفكيرا وتأملا وجهدا ذهنيا، مما يدفع بقدرات المتعلم وينميها.


إن أنشطتنا الجارية ليست سوى (شخصياتنا) بكل ما نملكه من قدرات، وما نمتاز به من خبرات وجدارات، وما نطمح إليه من نجاحات.. ولعل “خطة الأنشطة الأربعة” محاولة مهنية لتقديم (أداة) سهلة من شأنها تعزيز نجاحات البرامج التدريبية ذات الصلة، وتحفيز شركاء التدريب ودعم جهودهم الهادفة إلى تنمية الإنسان. وقد علمتنا التكنولوجيا أن تغييرا طفيفا في إعدادات الهاتف مثلا، قد يعطينا نتائج مبهرة، وتغيرا كبيرا في واجهة التلفون ووظائفه.. وقل مثل ذلك في الريسيفر وغيره من أدوات العصر. وفي حقل التعليم والتعلم، قد نحتاج إلى سلسلة عمليات ﻹعادة ضبط المصطلحات والإجراءات والأنشطة والخطط، بغرض (تحريرها) من أسر السنين ومن تراكم المفاهيم الخاطئة أو غير الفعالة. إن كل ما نبذله من جهد في ميدان التعليم، لن يقتصر أثره في نفس الدائرة فحسب، بل سيتعداها إلى جميع الحقول والأنشطة والمجالات.


- تعزيز حب المعرفة:

إن ثمة تغيرًا كبيرًا ينتظر أن يضيفه “ASC” فيما يتعلق بنظرة الطالب للمعرفة، وتحسين مستوى الاهتمام بها، حسب تعبير طالب بالثانوية. ويهدف النموذج من وراء وضع النشاط المعرفي في سلة هوايات الطالب، إلى ترقية المعرفة والتعلم إلى مرتبة الأنشطة المحببة، أسوة بالرياضة والترفيه. إن ما يقوم به “ASC” محاولة لتوظيف العقل الباطن في ربطه بين المفردات والأحداث، وإنتاجه مشاعر متماثلة برابط التزامن. ولك أن تتخيل ما سيجنيه مستخدم النموذج وهو يقبل على المعرفة كنشاط مفضل في سلة هواياته، وما يرسخه من حب المعرفة لدى مستخدميه. يقول الدكتور عبد الكريم بكار في إحدى تغريداته: “كنت أبحث عن معيار حقيقي للتقدم الحقيقي، فوجدته في رقي أخلاق النخب، وشغف الناس العاديين بالعلم والاكتشاف".


قد تكون مهمة المعلم في ترسيخ “حب المعرفة” شاقة بدرجة كبيرة؛ نسبة لما تصنعه البيئات الاجتماعية من معاجم الواقع، وتحديدها لأوزان الأشياء وأدوارها، ومن ذلك المعرفة بالطبع. إن تأكيدنا على صعوبة مهمة المعلم، ليست سوى تنبيه؛ حتى لا تتخطفه أياد اليأس حين يتبنى معظم الطلاب تفسيرات الواقع المزرية بالمعرفة والتعلم، ولا يحطمه الإحباط وهو يشاهد تباين الأوزان بين أهل “العلم والمعرفة” وأهل “الكرة والأوتار”.

 

- الإتقان وليد الشغف:

"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه".

إن حب العمل لا ينفصل عن «حب للمعرفة»؛ بالنظر إلى أن «العمل» نفسه ليس إلا ضربًا من ضروب «المعرفة» ودرجة من درجاتها. ولنا أن ننظر إلى العمل بوصفه تطبيقًا للمعرفة، ومنتجًا لها في نفس الوقت. إن إتقان العمل درجة أرفع من مجرد أدائه، ولا تخفى صلة ما بين الإتقان وحب العمل. إن المتقن لعمله المتفاني فيه هو ذلك المتعلق بمهنته ومجاله، الشغوف بهما، لا ذلك المؤدي لمهامه بدافع الواجب في أحسن الأحوال، إن لم يكن مجبرًا عليها ومضطرًا. إن اهتمامنا بترسيخ «حب المعرفة» والشغف بها في نفوس الطلاب مبكرًا وهم في أطوار التشكل والنضوج، تتسق مع رغبتنا في التعامل معهم، فيما بعد- كمهنيين ومختصين أكثر حبًا وشغفًا لأعمالهم بمختلف ضروبها، بغض النظر عما تصنعه معاجم المجتمع ولغة الواقع من تصنيف وتمييز بين الأعمال والمهن. إن من ينشأ في حبٍّ للعلم والاكتشاف، سيكون محبًا لتطبيقات ما تعلمه في المستقبل، بوصفها مجرد خطوات جديدة في مشوار التعلم، وحلقات معرفية جديدة يزين بها صدره، وينير بها ذهنه، وينفع بها الناس.


- تصحيح المفاهيم:

إن تجديد مفهوم «الهوايات» لا تقف إيجابياته عند مرحلة «المعرفة»، لكنها تمتد إلى صويحباتها الأخريات في سلة هوايات الطالب. وبالاطلاع على النموذج تجد العمل work تاليًا للمعرفة والرياضة، ويليه التطوع، وإن كان الأخير عملًا أيضًا، ولا يختلفان إلا في المقابل والدوافع. يقول أحد مستخدمي «ASC» وهو طالب في جامعة غرب كردفان السودانية: «لا يقف النموذج عند مساعدتنا في اكتشاف هواياتنا المعرفية والمهنية، بل يطلب منا معرفة ما بينهما من علاقات أيضًا». ويعمل «ASC» على اكتشاف ما بين هوايات الطالب المعرفية والمهنية من صلات وروابط من شأنها نقل شغفه بالمعرفة إلى شغف مماثل وحب للعمل.


في أنشطة التدريب، تستخدم مفردات كثيرة، بمعان غير محددة، لا سيما في ساحات الإعلام وميادين التعليم، دون مراعاة لما قد يرسبه تداولها من مفاهيم خاطئة. يستهلك الإعلاميون مفردات الموهبة والإبداع أكثر من غيرهم، بينما يفرط المدربون في استخدام مفردات التميز والمهارة والنجاح، بنبرات عاطفية من شأنها خلق أجواء جيدة حول المستمع ريثما يعود إلى مناخه الطبيعي خارج قاعات التدريب.


الإبداع: هو الخلق والابتكار والإضافة، وليس تلك الوسائل والأدوات، كالرسم والكتابة والشعر والإلقاء ونحوها من المعبرات التي توحي بأن هناك روحًا خلاقة كامنة خلفها. إن الكتابة والشعر والرسم والإلقاء أدوات ووسائل للتعبير عن قدرات وملكات، وأرصدة ثقافية ومعرفية، يؤدي الشخص على ضوئها أنشطته الحياتية، وقد يعبر عن ذلك ببعض المعبرات، كالرسم والشعر ونحو ذلك.


في نموذج ASC المستخدم لاكتشاف الهوايات، يقرر النموذج عمليا أن “المعرفة” في مقدمة هوايات المستخدم، كضرورة ذهنية وثقافية، وتليها “الرياضة” كضرورة بدنية وصحية، ثم تأتي سائر الأنشطة العملية الأخرى كالرسم والنحت والكتابة. من المهم أن تنطلق جميع أنشطة الهواة من (فكرة) ورسالة ثقافية. إن جهود ترقية الإبداع وتطويره، ينبغي أن توجه أولا إلى ذات الإنسان (المبدع)، لا إلى انشطته وأدواته؛ وذلك حتى نحصل على دفق إبداعي متصل برسالة الفرد في المجتمع. إن تمليك الهواة تصوراً صحيحاً عن الإبداع، يمنحهم إحساساً بمكانتهم في المجتمع، وفي رحلة التنمية والتقدم.. وفي ذلك تكريم أعلى من الحوافز والميداليات؛ بتحريرهم من ثقافة الجوائز، إلى ثقافة الإبداع الذاتي الحر. بتكامل “أفكار” الهواة، وارتباطها باحتياجات “المجتمع” ينمو الإبداع نموا مرتكزا على نمو الإنسان نفسه، وهل من نمو دون معرفة؟


يستخدم الإعلاميون صفة "موهوب" و"مبدع" بمعنى "ماهر" ، وتختلط في لغتهم المواهب بالهوايات،  ويجري دمج الملكات في الأنشطة، برغم أهمية التفريق بينها في ميدان التعليم. ويستهلك“نشطاء التنمية البشرية” مفردة التميز تسويقيًّا لكسب أعداد أكبر لدورات ومحاضرات يقدمها (مدرب متميز) على حد وصفهم. في عالم التسويق، يستحوذ المروّج على عواطف الجمهور، بمستوى يسمح له بالتعبير عن آرائهم في السلعة المنتجة أو الخدمة المقدمة. وهذا بالضبط ما تقوم به مراكز التدريب حين تبهر المستهدف بصورة المدرب وشخصيته وجوانب من سيرته (الخارقة). في مناسبة ذات صلة بموضوعنا سألت أحد أصدقائي اللامعين في المجال عن عدم تحديدهم للفئات العمرية أو المهنية المستهدفة بمعظم الدورات التدريبية المعلن عنها. فقال لي: بكل أسف، هذه رغبة المراكز ورؤيتها التسويقية.


المهارة: ليست نشاطًا مستقلا، وإنما هي درجة إجادة في أداء الأنشطة، وهي أقرب أخواتها وأكثرها صلة بالواقع إن أحسنا التعامل معها ووضعناها في سياقها ودرجتها. إن العلاقة بين الأشياء والروابط الواصلة بينها، أكثر قيمة بطبيعة الحال من معرفتها متفرقة.


إن استخدامنا التعليمي والتدريبي لبعض المفردات، يغلب عليه الاستعراض، والعزف بالمصطلحات، دون مراعاة للطرف الآخر، شريك العملية التعليمية، والمستفيد المفترض منها. ولعل التركيز على هوايات المتدربين، والعمل على تنميتها وتعزيزها، أكثر فاعلية في زيادة مستوى الإجادة في أداء الأنشطة، ومن ثم الإبداع والتميز فيها. ولا قيمة لأنشطة تؤدى بأعلى درجات المهارة، إن لم تكن في دائرة الهوايات.


- مع هواة المعرفة والتعلم:

بحسب "نموذج ASC لاكتشاف الهوايات" فإن الهوايات Hobbies عبارة عن سلة الأنشطة المفضلة للشخص، وهي في عمومها حسب النموذج، ذات أربعة أقسام تتصدرها “المعرفة” وما يتصل بها من أنشطة التعلم والتحصيل العلمي، بمختلف أدواته وقوالبه وإطاراته. إن ما نطمح إليه من نتائج جيدة وتغير كبير في أداء الطلاب، قد لا يكون بنفس سرعتنا في صياغة الأفكار وإعداد الخطط وتقديم البرامج، لكن المهم قطعا هو نجاحنا في إحداث مستوى من التغيير في مفاهيم المتعلمين، وإعادة رسم الصور الذهنية، في خطوة وصفناها بعملية إعادة “ضبط الإعدادات”. ولعل الاختراق المهم هنا أن يستقر في ذهن الطالب أن المعرفة نشاط مفضل ضمن سلة أنشطته وبرامجه المعتادة، وليست عبئا ثقيلا وجهدا لا يطاق. 


عمليا، عندما نطلب من الطلاب تحديد أبرز هواياتهم المعرفية، تتوارد إجاباتهم بسلاسة متسقة مع أعمارهم ومستوياتهم الذهنية، وتتكشف بشكل تلقائي، ميولاتهم الدراسية، ودرجات التفاوت في حبهم لما يتلقونه من مواد ومقررات. إن الكشف عن تفضيلات الطلاب قد يساعدنا في معالجة ما يواجهونه من صعوبات أكاديمية، أو ما يعانونه من صعوبات في التواصل مع مدرسي بعض المواد، فضلا عن توفير ما تتطلبه بعض الدراسات من أدوات، قد يكون توفرها سببا حاسما في ارتباط الطلاب بها وحبهم لها وتفوقهم في تعلمها.


قبل أن نلوم الطلاب على انصرافهم عن التعلم والمعرفة، يجدر بنا أن نغرس في نفوسهم أن المعرفة نشاط مفضل وهواية ممتعة. إن النقلة الحاسمة في مسار التعلم، قد تكون فكرة أو مفهوما concept فعالا يتبناه المتعلم ويقيم عليه بناءه المعرفي. والملاحظ أن غالب جهودنا في مجال (التعليم والتعلم) إنما تتركز على تكثيف الأنشطة من ناحية، أو التعويل على صور التعلم كإجراءات جوفاء فاقدة للروح والمضامين.


في رحلة التعلم عادة من نفتقر إلى أفكار كلية وتصورات ورؤى، قبل احتياجنا إلى أدوات التعلم، وخطوات التحصيل المعرفي. وبما أن التعلم في مجمله جهد ذهني مضن، وبطيء النتائج في ذات الوقت.. فإن توفير مبررات كافية يصبح من الأهمية بمكان، في ظل التنافس الشرس للاستحواذ على أوقات الطلاب على وجه الخصوص وجذب اهتماماتهم إلى ساحات أخرى أكثر بريقا وأوفر إثارة من ميادين التعلم.


في برامج اكتشاف الهوايات، يقف المدربون على مؤشرات هامة فيما يختص بقدرات المتدربين (الطلاب) واستعداداتهم الذهنية والنفسية.. وذلك من خلال التعرف على مختلف أنشطتهم الجارية، ومنها بطبيعة الحال (الأنشطة المعرفية) وما يتصل بالتعلم والتثقف والمعرفة. يميل الطلاب ذوو النشاط البدني والاجتماعي المحدود إلى أنشطة التعلم بشكل أكبر، بينما تقل مساحات التعلم لدى الأكثر نشاطا، لصالح الأنشطة البدنية والاجتماعية، هذا بصفة عامة وإن كان بعضهم أقدر على التوازن من سواه.


من المهم أن نشجع الأكثر رغبة واستعدادا على المضي قدما، وأن نعمل على دعمهم وتزويدهم بما يعزز استعداداتهم تلك ويحفزها باستمرار.. وذلك من خلال المقترحات التالية:

- إن أول ما يحتاجه المتعلم الراغب في تميز معرفي ذي قيمة، أن نساعده في رسم صورة ذهنية جيدة لمشروعه المعرفي وما ينتج عنه من صفات معرفية محددة، ولا بأس من طرح ذلك في شكل سؤال كبير تمثل الإجابة عنه ملخصا للصفات المراد الوصول إليها وتمثل في ذات الوقت “طموحات معرفية” للمتعلم.


- يتطلب تحقيق طموحاتنا المعرفية وجودنا في “ميدان ما” أو مجال مهني محدد تتراكم فيه معرفتنا النظرية والتطبيقية باضطراد، حتى نبلغ مستوى يؤهلنا للمساهمة في حل مشكلاته أو تطوير أدواته وتقنياته. ويمثل مجالك المهني ساحة لتعزيز التعلم وميدان للإسهام المعرفي في ذات الوقت.


- إن اختيارنا للمسارات الدراسية ليس سوى اختيار مهني، وإن كان أوليا وغير حاسم في كثير من الأحوال.. ومما يجدر بالطالب وهو في مراحل دراسية وعمرية مبكرة، أن يعمل على اكتشاف ميولاته وهواياته بشكل مستمر؛ ليمهد لنفسه ويساعدها عند الاختيارات الدراسية والمهنية الحاسمة.


- تحليل شخصية المتعلم:

بحسب مؤشر MBTI الشهير لأنماط الشخصية، فإن سمة (الإنجاز) تعد نمطا شخصيا في مقابل صفة (التشتت) وهما صفتان عبر عنهما المؤشر في محوره الرابع تحت عنوان (الترتيب). وتقدم أنماط الشخصية عموما، صورة حالية للوضع الغالب والاعتيادي في تصرفات الشخص، بحيث يمكننا البناء عليها في تواصلنا معه، وتجنب الاصطدام. وتعبر الثقافة الشعبية عن الأنماط بالعادات، وترى أن (العادة جبل) تأكيدا على رسوخها وتعذر تغييرها في غالب الأحوال..


في برامج التدريب وتنمية القدرات، عادة ما تواجهنا صعوبات كبيرة في الانتقال بالمتدربين من التفاعل التدريبي القصير، إلى تواصل مستمر لفترات أطول، وبالتالي إتاحة فرص أكبر للانتقال من نقطة إلى أخرى، وتحقيق نتائج ذات قيمة أكبر. في الواقع تتوفر رغبة كبيرة لدى معظم المتدربين، لتحقيق نقلات وإنجازات.. لكن واقع الحال يؤكد أن الانتقال قدما لا يتحقق بمجرد رغبات صادقة، أو الحصول على دورات احترافية عالية القيمة.


تكتسب دراسة الأنماط الشخصية أهمية كبيرة؛ حيث تعمل على نقلنا من مجرد التركيز على تحصيل كم معلوماتي، إلى نقطة أعمق بالنظر إلى طبيعة ما تتطلبه شخصياتنا من تعديلات في (الإعدادات) أو جهود لتحقيق درجة من التوازن. إن ما يواجهنا من صعوبات في التقدم الشخصي، وإنجاز الأعمال، ذو صلة مباشرة بأنماط شخصياتنا وما يسيطر علينا من (تلقائية) وعدم قدرة على التأني والالتزام والاستمرار في مشروعات طويلة نسبيا. وتعد سمة (الاستعجال) والاندفاع لتحقيق نتائج سريعة، والتحرك بدوافع المنافسة والانتصار، من أبرز ما يحول بيننا وبين تحقيق نتائج ذات قيمة.. وما لم نعمل على معالجة المشكلة الحقيقية بكل وضوح وحزم، فإن الوصول إلى نجاحات حقيقية سيظل أمنية وحلما مهما توفرت لنا من أدوات وفرص. وتهدر كثير من جهودنا في التعلم على وجه الخصوص، والعمل والعلاقات، بسبب عامل جوهري يتصل بعدم معرفتنا وعدم (اهتمامنا) بأنماط شخصياتنا أو شخصيات من نتفاعل معهم، في خضم انشغالنا المستمر بما يحقق أسرع نتائج وأفضل بريق.


ولنقترب من الهواة؛ لنتعرف على أبرز قدراتهم وملكاتهم، ونكتشف أنماط شخصياتهم، واحتياجاتهم النفسية الدافعة لممارسة الهوايات والشغف بها.. ودورها في تعزيز هواية التعلم والمعرفة. للتعرف على “هواة المعرفة” مثلا، نستخدم حزمة أدوات وتطبيقات، بحيث تعرفنا كل أداة، على جانب أو أكثر في شخصية “هاوي المعرفة”. سنستخدم كلا من نموذج ASC ومؤشر MBTI وأسلوب الاحتياجات النفسية الستة، حيث يتميز آسك بخاصية اكتشاف العلاقات بين القدرات والأنشطة والميول، بينما يمتاز مؤشر مايرز بريغز بتركيب نمط code الشخصية من دراسة عدة محاور.. أما تحليل الاحتياجات النفسية، فيقدم لنا تفسيرا لدوافع السلوك، ويمنحنا إجابة عن “لماذا نفعل ما نفعله”.


حسب نموذج ASC فإن هواة المعرفة، هم من تسيطر الأنشطة المعرفية وأنشطة التعلم على معظم اهتماماتهم، وتبدو قدراتهم وملكاتهم الذهنية أكثر بروزا، وتظهر طموحاتهم في قوالب غير مهنية، حيث يطمح معظمهم لأن يصبح مخترعا، مكتشفا، مطورا، ونحو ذلك من صفات العلماء والباحثين.


ونلاحظ تناغما كبيرا بين كل من نموذج آسك ومؤشر الأنماط، حيث يطلق المؤشر وصف “العالم” على أصحاب النمط INTJ ويعني أن الشخص أكثر ميلا للنشاط الداخلي (التفكير)، وأكثر استخداما للخيال، ويتخذ قراراته بعقلانية، ويتصف بالحسم والإنجاز. في نموذج آسك كان ناتج العلاقة بين القدرات الذهنية والانشطة المعرفية، طموحات “عالم”.. وفي مؤشر الأنماط كان نمط “العالم” نتاجا لتفاعل سلة صفات شخصية، من بينها التفكير، الخيالية والعقلانية.


ويأتي استخدام الأداة الثالثة (تحليل الاحتياجات النفسية)، أكثر تناغما مع كل من الأداتين السابقتين (النموذج والمؤشر) ؛ حيث يميل "هواة المعرفة" عادة، للبحث عن أكثر الأماكن هدوءا وأبعدها عن الضجيج والصخب، ويتناسب هذا الميل مع المكون الأول في نمط العالم “النشاط الداخلي” ويتماهى مع طبيعة ميولاتهم البحثية.. ويمثل “اليقين” certainty (الثبات، الأمان، التحكم،…) احتياجا نفسيا عاليا لدى هواة المعرفة والتعلم والبحث، إلى جانب احتياجهم النفسي الأبرز “النمو” growth (التعلم، التطور، التقدم).


إن تحليل شخصيات الهواة، يمنحهم رؤية أوسع مدى، ويحفزهم على الاستمرار بوعي وثقة.. ويتيح أمامهم فرصا أفضل لتعزيز هواياتهم، لا سيما "هواية المعرفة".. وطريقنا نحو “تعزيز التعلم” عادة ما يبدأ عند اكتشافنا لقدراتنا، وما يتصل بها من أنشطة وهوايات، مرورا بالاختيارات الدراسية والمهنية المرتبطة بميولاتنا واستعداداتنا.. ومن ثم بوجودنا في مجالات مهنية متصالحة مع شخصياتنا، وأخيرا بمدى قدرتنا على الانتقال من صورة المهني التقني أو مجرد الممارس لمهنة ما، إلى خانة المهني الباحث المساهم في تعزيز المعرفة في مجاله، وتقديم حلول لمشكلات المجال وتطوير أساليب العمل.


- رحلتي في تنمية الهوايات:

على صعيدي الشخصي، لم تكن صلتي بمراكز التنمية البشرية، حميمة بقدر كاف؛ حيث ساد التنائي بيني وبينها وطبع رؤيتي لها وفكرتي عنها لفترة ليست بالقصيرة، بالرغم من اشتغالي بأنشطة تدريبية.. لكن خلفيات التباعد عن "دكاكين التنمية البشرية" كما يطلق عليها البعض، كانت مبررة إلى حد كبير من جهة انتمائي المهني إلى ميدان التعليم التقليدي، فضلا عن البعد الصحفي في تجربتي المهنية. وكان نموذج آسك أحدث محطاتي في رحلة الاهتمام بتنمية هوايات الطلاب، وقد سبقته عدة مقترحات وتصورات قدمتها في فترات ومؤسسات متعددة. خلال فترة عملي بالمدارس في العاصمة الخرطوم وخارجها، كنت مهتمًا بما يعزز الأنشطة الأكاديمية للطلاب في محيطي الصغير، فكتبت برنامج «إسناد» في صورة مقترح لمساعدة الطالب أكاديميًا، ثم أتبعته بـ«إشراف» وهو مقترح أقل التصاقًا بالتدريس، وأقرب إلى التوجيه والإشراف حسب اسمه. وكتبت تصورًا ثالثًا أطلقت عليه «إبحار» وهو أكثر ابتعادًا عن النبض الأكاديمي، ونسخة موسعة من سابقه، وكان الغرض من المقترح توجيه الطلاب ثقافيًا، والإشراف على أنشطتهم المعرفية وتعزيزها، مما تطلب إعداد ملاحق للتصور الأساسي تتضمن استبانات قوائم وأدلة معرفية للمواد والوجبات المعرفية، بمختلف قوالبها ومذاقاتها. كان «إبحار» مشروعًا أكثر منه برنامجًا مدرسيًا بسيطًا، وقد ساهمت فكرة المشروع رغم عدم اكتماله، في إنتاج البرنامج الجديد «نموذج ASC» وهو أكثر احترافية في التواصل مع مواهب الطلاب وميولاتهم، وقد كتبت أول مقالة تعريفية عن النموذج في مدونات الجزيرة عام 2016، تساءلت فيها عن مدى تأثير النموذج في تعزيز اهتمام الطلاب بهواياتهم، وقد يتطلب قياس ذلك إجراء دراسات ميدانية حسب ما يرى مهتمون.


رأيت ان أقدم استمارة ASC لتدريب طلبة الجامعات على إعداد سيرة ذاتية خاصة بالطالب student cv متضمنة (المواهب والهوايات والطموحات المهنية) تشجع على الاجتهاد في الدراسة، ومتابعة النمو الشخصي أو تسهم في تصحيح المسار الدراسي مبكرا. لم تكن الاستمارة ناضجة في بادئ الامر، لكن اجتهاد المستخدمين ومساندتهم للفكرة، ساعدني كثيرا في تطويرها وتحسينها باستمرار ولثلاثة أشهر متتالية.. خلال الفترة المذكورة كنت أقدم فكرة النموذج للمهتمين وأستمع لآراء وملاحظات أفادتني كثيرا في إنضاجه وتعميق فكرته في نفسي بدرجة أكبر..


من الأفكار السائدة في مجتمعاتنا (أن الطلاب المتفوقين دراسيا يفترض أن يصبحوا أطباء أو مهندسين.. أما مجالات المحاسبة والقانون فهي للأقل ذكاء.. والمجالات الصناعية لمن هم في ذيل القائمة).. وعادة ما نجد مبررات للافكار الاجتماعية في حينها ونطاقها المحدد لكنها كثيرا ما تكون مدمرة ومعطلة لكثير ممن هم تحت تاثيرها.. وفكرة اخرى خاطئة وذات صلة بما سبق وهي عدم التفريق بين الموهبة والتفوق الدراسي واعتبار المتفوق هو فقط الموهوب اما الأقل درجات والراسبون فلا حظ لهم في الموهبة.. وإذا كان الاعتقاد الاول اجتماعيا عاما، فإن الفكرة الخاطئة الثانية راسخة حتى في مجتمعات المعلمين فضلا عن وسائل الاعلام والجهات الاجتماعية ذات الصلة. وكان على نموذجي التعليمي أن يقوم بمهمتين معا.. الاولى أن يجيب على سؤال كان عمره نحو عشرين عاما: هل كنت موفقا حين اخترت المساق التجاري في المرحلة الثانوية عام 1995؟ والثانية ان يعمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة من قبيل: ليس للمتفوق إلا أن يصبح طبيبا، فما دور النموذج في تصحيح الفكرة بقوالب جديدة وتجارب وتطبيقات مبتكرة.. وبرز تساؤل متفرع عنه: بافتراض فاعلية النموذج وجودته، هل هو ملائم لطلاب الجامعات أم لمن هم دونهم؟ وللإجابة عن السؤال الأخير، شرعت في برنامج تدريبي لطلبة الثانوية، أطلقت عليه فيما بعد "كورس اكتشاف الهوايات".


برز نموذج ASC كأداة جديدة في حقل التعليم، وكان استجابة لحاجة فعلية لزملاء المهنة والطلاب في نفس الوقت. إن احتياج المعلم والطالب كليهما لوسيلة سهلة الاستخدام، كان دافعا أساسيا لابتكار النموذج، والدفع به إلى مجتمع التعليم؛ لاختباره وتقييمه، وتوظيفه في المساحات التربوية المتاحة.. لكن مجرد ابتكار آسك، لم يكن كافيا في تقديرنا، إن لم يتبعه تأسيس فريق عمل ميداني فعال لاحتضان الفكرة وتصويبها باستمرار، وهذا ما تحقق بالفعل منذ الأيام الأولى للنموذج.. وقد تطور فريق العمل على مدى سنوات، وقدم أداء متميزا على صعيد التدريب والكتابة والإنتاج الإعلامي، وأسهم الفريق في تعزيز استخدام النموذج في مساحات أكبر، ونشر الفكرة بمستوى مبهر قياسا بالفترة الزمنية، وإمكانات الفريق، وما توفر له من أدوات. وكان الفريق ذا فاعلية كبيرة في استخدامه لوسائط التواصل، وعمل على توظيفها باحترافية عالية.. وكانت صفحات الفيسبوك ومجموعات الواتساب ميدانا أساسيا للتدريب والنشر والتفاعل مع مستخدمي النموذج، والمهتمين بالفكرة، قبيل وصول آسك إلى مراكز التدريب كبرنامج تأسيسي لاكتشاف الهوايات، وتحديد الاحتياجات المعرفية..


تعمل الأدوات على مساعدة مستخدميها، وتسريع نجاحاتهم، لا سيما إن كانت قابلة للتطور، وقادرة على تلبية احتياجات جديدة للمستخدمين، كما هو الحال بالنسبة للهاتف الجوال، فقد بدأ كأداة للاتصال الصوتي، لكنه اليوم مدين للإنسان المعاصر بكثير من نجاحاته بعد أن أصبح أداة لها أكثر من عشرة استخدامات متباينة؛ فمن المراسلة النصية والتسجيل والتصوير إلى عمليات التصميم والسداد وتحويل الأموال، تجد الموبايل حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا. ومحاكاة للمنتج التقني الأسرع تطورًا، أطمح لأن يصبح نموذج ASC أداة قادرة على التناغم مع مختلف الاحتياجات التربوية، تتيح مزيدًا من المساحات لاستخدامات جديدة وباستمرار. 


- الوفاء للهوايات:

إن درجة ارتباطنا بمختلف الأنشطة اقترابًا أو ابتعادًا، حبًا أو كراهية.. تساعدنا كثيرًا في اختيار مفهوم سهل وفعال للهواية دون حاجة للاستغراق في المعاني اللغوية أو اصطلاحات التربويين. إن ممارستنا لسلة أنشطة حياتية لا تنفك عن وصفين اثنين غالبًا؛ حيث يمكننا وبكل سهولة تقسيم ما نقوم به من نشاطات إلى قسمين:

1- أنشطة نمارسها بدوافع ذاتية ورغبة حقيقية نابعة منا دون اضطرار أو إجبار من طرف آخر، بغض النظر عن أهمية تلك الأنشطة أو ضرورتها أو درجة حاجتنا إليها.

2- أنشطة نمارسها دون رغبة منا وبدوافع غير ذاتية، وتمثل حاجتنا أو اضطرارنا أبرز دوافع قيامنا بها، وقد يكون ذلك بإجبار وإكراه وإن كان إكراها اجتماعيًا كحالات العادات والتقاليد.


إن الهوايات هي كل ما نقوم به من أنشطة ذات امتدادات في نفوسنا وتهواها أفئدتنا وقلوبنا.. ولا تقتصر على الأنشطة الترفيهية أو غير الجادة فقط. عند التأمل في سعة مفهوم الهوايات كأنشطة مفضلة ومرغوبة، يجدر بنا التعرف على أبرز تصنيفات الأنشطة وأكثرها شمولًا. في نموذج ASC لاكتشاف قدرات وميول الطلاب، قدمنا تقسيمًا رباعيًا للهواية:


أولًا: المعرفة، في صدر الأنشطة المفضلة، رأينا أن تكون المعرفة أول أقسام الهوايات.. وينتج الارتباط بين الهواية والمعرفة ما يمكن أن نطلق عليه الهوايات المعرفية، وتشمل حسب النموذج المشار إليه، جميع الأنشطة المعرفية المفضلة من قراءة واستماع ومشاهدة.


ثانيًا: الرياضة، وتأتي تالية للمعرفة، وتشمل جميع الأنشطة الرياضية المفضلة، بما فيها المشي والركض وركوب الخيل والدراجات.


ثالثًا: العمل: وتأتي الهوايات العملية/ المهنية ثالثة في ترتيب نموذج ASC بعد المعرفة والرياضة، وتشمل جميع ما نهواه من أنشطة مهنية وإنتاجية.. ولعل قسم العمل من أهم ما يميز فكرة النموذج، من حيث توسيع مفهوم الهواية من مجرد الترفية والتسلية لتشمل الأعمال الجادة أيضًا. إن العمل امتداد طبيعي للمعرفة ومرحلة من مراحلها.. ويظهر هنا مدى ترابط تقسيمات الهواية في نموذج آسك.. وإذا كان العمل معرفة، فإن الرياضة نفسها عمل، وقد تكون مرهقة ومكلفة بدنيًا ونفسيًا  أيضًا.


رابعًا: التطوع، يمثل القسم الرابع في تصنيف الهوايات، أبرز حلقات الوصل ما بين الأنشطة والرغبات؛ إذ إن التطوع لا يمارس إلا برغبة بخلاف الأنشطة الثلاث السابقة، بما فيها الرياضة نفسها وإن كانت ترفيهية في معظم الأحوال، إلا أن اللاعب قد يقاد إليها مجبرًا لا بطلًا.. وأكثر ما يربط التطوع بقسم الهوايات العملية، والتطوع عمل وإن كان ثمة تباينًا ففي الدوافع والمقابل المادي.


وإذا كانت الهوايات بكل ما ذكرنا من الشمول والسعة والترابط، فإنها جديرة باهتمامنا ومستحقة للوفاء. إن هواياتك بالمفهوم السابق ليست مجرد أنشطة إضافية تمارس في أوقات الفراغ وفي عطلات نهاية الأسبوع.. لكنها مجمل أنشطتنا المرغوبة والمفضلة.. إنها مشاريعنا المعرفية والصحية.. والمهنية والتجارية.. والخيرية والإنسانية.


إن الوفاء للهوايات وفاء لرسالة الحياة؛ إذ لا رسالة حياتية مفيدة بلا معرفة ولا طاقة ولا إنتاج ولا إنسانية وتفاعل اجتماعي.. وتمثل الهوايات بمفهومها الشامل في نموذج آسك، فرصة لاستعادة التوازن وتصحيح المسارات المعرفية والمهنية والاجتماعية لمن هم بحاجة إلى تصحيح، لا سيما ممن استهلكتهم عجلة الحياة في مبتدر الصبا، ولم تمنحهم مساحات كافية للتأمل والاختيار والمفاضلة، سواء كان ذلك في (مرحلة الاختيارات الدراسية) أو المهنية فيما بعد.. أو الاجتماعية والإنسانية أيضًا.


أن تكون وفيًا لهواياتك، يعني أن تحافظ على مستوى سعادتك ورضاك وتوازك النفسي تجاه مختلف ما تقوم به من أنشطة طوال يومك وعامك وحياتك.. وفاؤك لهواياتك يعني أن تستمر في اغتراف مزيد من المعرفة المفضلة لديك وذات الصلة بشخصيتك ورسالتك ومشاريعك، لا تلك الشائعة في الأسواق والمكتبات والقنوات.. ارتباطك بهواياتك ووفاؤك لها يعني أن ترتاض بما يناسبك لا ما تفرضه المجموعة والرفقة أو المؤسسة.. وبنفس القدر والارتباط في أنشطتك المهنية والاجتماعية. إن وفاءك للهوايات، ليس سوى أسلوب سهل وفعال للالتزام تجاه ذاتك وعملك ومجتمعك.. التزام تجاه نجاحك.

-----------------------

* معلم سوداني