الجدّ و الإهمال
ان الاجتهاد يصبغ سماء المثابر المواظب بالوان النجاح والنصر فتشرق في فضائه اعظم الانجازات وارفع الانتصارات. أما الكسل فهو داء من امراض الحياة إذ أنّ سماء المتكاسل المهمل تتدثّرُ بسحب الفشل و تنهمر منها دموع من الندم والتحسّر.
الفلاح رضوان رجل ذو اصل كريم في الخمسين طاهر الثوب وكبير القلب، وبالرغم من كبر عمره الا ان بنيته ما زالت تحاكي هيئه شاب في مقتبل العمر! هو واحد من اولئك الذين يمضون حياتهم في الارض ويفدونها بعيونهم لا وبل بوجدانهم كذلك. بعكس الفلاح ايمن فهو وبالرغم من انه ورضوان بنفس مرحلة العمر، الا ان الفلاح ايمن يبدو كعجوز مسن متغضن الوجه ارتاضه لجام الدهر وعلت رأسه رغوة الشباب، فهو يهمل ارضه و يتركها ظمآى تتوق إلى تجرُّع نقطة واحدة من عرق جبينه. إذ أنّ الفلاح أيمن يتوّج و بجدارة أميرا على مملكة التّكاسل و الإهمال.
لو رأيت أرض الحارث رضوان لظننتها فردوس الله على الأرض : تربتها رملية طينية ملائمة للزراعة، مزروعاتها متنوعة : من أشجار الكرز والتفاح والزيتون إلى الخيار والبندورة والخسّ، عشبها مخضوضر اللون وسمائها زرقاء صافية تتوسّطها شمس متلئلة برّاقة. فلو كان لها ثغر لقبّلت جبين فلّاحها ولو كان لها ذراعان لضمّته إلى صدرها.
أما أرض الفلاح أيمن فهي جرداء عارية، تبدو كغريق شهقاته إحتضار، وكمتألّم جلدوه بسياط الإهمال و التفريط فتُركت على جسده آثارٌ من الجفاف الشديد والحشائش اليابسة والقمامة المنسية. فلو كان لها ثغر لراحت تنحب وتبكي وتقول :" بسببك يا أيمن أصبحت من المٌهمَلين "
جاء موسم الحصاد في آخر حزيران. و إذ بأرض الحرّاث رضوان تجودُ عليه بخيراتها وتغرقه ببركاتها فكفاه من الطعام لما تبقى من العام كما جنى مالًا وفيرًا. أما بالنسبة للفلاح أيمن فهو لم يجني سوى التأسف والحسرة والندم، فقد جرفه نهر التقاعس وأخذه إلى قاعه حيث لا نجاح ولا نصر.
وكما قيل :" من جد وجد و من زرع حصد" فمن يعمل و يجتهد سيصل إلى مراده و سيحقق أهدافه حتمًا أما من يتقاعس عن ذلك فسيقرع الفشل له طبوله ليرحب به في مملكة الانهزام والإحباط والخيبة.
