Image title
جبل الرحمة سنام عرفات الأسود يكتسي البياض في يوم الحج الأكبر ..
د. علي بانافع 
      ذكريات أو مسيرة قوافل حجاج بيت الله الحرام إلى عرفات هي عنوان الأُخوة الإنسانية الإسلامية، ومنهل الايمانيات والروحانيات، لطالما اسأل نفسي عن أجمل يوم في حياتي كُلها على الإطلاق؛ فأُجيب نفسي على الفور وبدون تردد وبلا أدنى تفكير إنه: "يوم عرفة"، أقول ذلك معه أنه لم يسبق لي أن كنت رحالاً كابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان في سالف العصور والأزمان، أو رحالاً كرحالة وسائل التصوير الاجتماعي شاغلي الناس وحديث المجالس هذه الأيام، أو زُرت عِدة عواصم ومدن عربية وإسلامية وأوروبية، إلا أن يوم ومسير قوافل عرفات وهو خير يوم طلعت فيه شمس، أجمل عندي ولا شك من أثينا واسطنبول والقاهرة ودبي وبرلين وبيروت ومدريد ولندن ودمشق، وطنجة وجنيف ووو …
     في ذلكم اليوم العظيم الشاهد والمشهود، اطلعت بأم عيني -وعن كثب- على منظومة الإسلام الحنيف الإنسانية والأخلاقية والفكرية الخالدة، وكيف نجح هذا الدين العظيم بإذابة الفوارق الطبقية والاجتماعية والعرقية والقبلية والقطرية والقومية بين بني البشر، وصهرها كلها ببوتقة الألفة والمحبة والأخوة عبر منهج عملي واضح جلي، تأملته مبهوراً وأنا أمضي قُدماً في طريق طويل وحيداً كعادتي سيراً على الأقدام؛ وبملابس الإحرام مستدعياً لتشابه الأحوال كلها حينئذ إلى  ذهني وإن لم ألهج به القول المنسوب لسيدنا عيسى عليه السلام: (خادمي يداي، ودابتي رجلاي، وفراشي الارض، ووسادي الحجر، وسراجي بالليل القمر، إدامي الجوع، ولباسي الصوف، أبيت وليس لي شي، وأصبح وليس لي شي، وليس على وجه الأرض أحد أغنى مني). وها أنذا أذرع الأرض إلى عرفات وأطوي المسافات وأنا أُردد أدعية الانبياء والرسل في القرآن الكريم، دعاء أيوب عليه السلام يوم أصابه المرض وانفض عنه كل من حوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، دعاء إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}، دعاء آدم عليه السلام ندماً على ما فعل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، دعاء موسى عليه السلام {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}، دعاء زكريا عليه السلام وهو يتوق إلى ذرية صالحة حُرم منها طويلاً: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}، دعاء يعقوب عليه السلام وهو ينتظر محتسباً عودة ولده المفقود يوسف عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}، دعاء يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. وهكذا دواليك.
     نصيحة أخوية من مُحب مُجرب احفظوا أدعية الانبياء والرسل السلف الصالحين القادة الواردة في القرآن الكريم -عن ظهر قلب- وحَفِظُّوها أولادكم، واحرصوا على ترديدها باستمرار فهي كلام الله أولاً ودعاء الانبياء ثانياً، وعندما يختص الباري عز وجل ويختار دعاء أو عدة أدعية كريمة لرسول أو نبي، ويجعلها قرآنا يُتلى آناء الليل وأطرف النهار إلى يوم الدين، فهذا يُخبرنا بأن الله تعالى يحب ذلكم الدعاء ويبارك فيه، ولا أدل على ذلك من اختياره دوناً عن بقية الأدعية على لسان انبيائه ورسله في كتابه العزيز، لاسيما وأنها خُتمت بفرج قريب أو بِنصر كبير أو بِفتح مبين نحو: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}، ونحو: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ}، ونحو: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}، ونحو: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ}.
     في الثامن من ذي الحجة يوم التروية كان قد أجهدني الاعياء والتعب؛ ولم أنم طوال الليل سوى لساعتين فحسب على رصيف مقابل للدفاع المدني، كنت لا أحمل معي سوى سجادة صغيرة خضراء اللون للصلاة، وهي فراشي وقت النوم ولن أنسى ما حييت ذلكم الصوت العذب الذي نادى عليَّ بأدب جم وباللهجة المصرية اللطيفة المحببة إلى قلبي بعد آذان الفجر: "قوم يا حاج إحنا جايين ننام ولا أيه؟!" لقد نهضت من فوري من دون أن اتشرف حتى برؤية وجه أخي المنادي من مصر الحبيبة، إلا أنني ادعو له الآن  حياً كان أو ميتاً صغيراً أو كبيراً بأن يرحمه الله تعالى ويثبته وأهله على الإيمان ويبارك له في رزقه وذريته، كما دعوت مراراً لذلكم العصفور الذي ظل يزقزق قُرب نافذتي حتى ايقظني لصلاة الفجر يوماً، فأنت أيها الكسول لا تعلم عديد المنبهات والجوق الموسيقي الكوني المتناسق والهادر ككورال رائع من حولك، بدءاً بصياح الديكة، مروراً بتغريد البلابل، فزقزقة العصافير وأوراق الشجر، وكأنها كلها تقول لك عبر سمفونية عذبة متسقة لا نشاز فيها البتة "قم للصلاة وأدها واقصد رضا رب العباد".
     في اليوم التاسع من ذي الحجة يوم عرفة انطلقنا بعد شروق الشمس، عبر الطريق المعبد سيراً على الأقدام لمسافة طولها 17 كلم تقريباً؛ ولكم كان جميلاً ذلك الرجل الافريقي فارع الطول،  حين أهدى مظلته الشمسية الوحيدة إلى امرأة هندية مقعدة على كرسي متحرك، يدفعها ابنها تحت الشمس اللاهبة وكانت تستعين بقطعة كارتون لحماية رأسها من أشعة الشمس المحرقة، لكم كان جميلاً أولئك  الشباب من أهل الشام المصطفين على جانبي الطريق وهم يوزعون المياه المعدنية الباردة للحجاج من مختلف القوميات والألوان، الباكستانيون الذين كانوا يوزعون الموز والبرتقال لبقية الأمم والشعوب التي تمر من هاهنا تترا كسيل بشري هادر له أول وليس له آخر، ذلكم المصري الجميل الذي تكفل بتوزيع الشاي على المارين أمامه إلى  عرفات الله وهم يرددون: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) في يوم قال فيه النبي الكريم ﷺ: (إنَّ اللهَ يُباهي بأهلِ عرفاتٍ ملائكةَ أهلِ السَّماءِ فيقولُ: انظُروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شُعْثًا غُبْرًا) [صحيح ابن حبان: 3852] في يوم قال فيه الحبيب المصطفى ﷺ: (الحجُّ عرفةُ، فمن جاءَ قبلَ صلاةِ الفجرِ، ليلةَ جَمعٍ، فقد تمَّ حجُّهُ ..) [صحيح ابن ماجه: 2459] عن فرط جمال وأناقة وانتظام قوافل الأتراك والإندونيسيين والماليزيين لن اتحدث.
     بعد ساعتين من المشي المتواصل تقريباً وصلنا إلى مسجد نمرة، حيث الصلاة هناك للظهر والعصر جمعاً وقصراً، ومن ثم الصعود على جبل الرحمة لمن استطاع إليه سبيلا، والبقاء في المكان إلى ما بعد غروب الشمس للزحف إلى المزدلفة امتثالا لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}. كانت كل الشعوب صفراء وبيضاء حمراء وسمراء تتضرع وتلهج بالدعاء ودموع بعضهم على الخدين مدراراً، على ما قصروا وفرطوا في جنب الله قبل أن يصلوا إلى هذا المكان الطاهر، تجأر إلى بارئها فكاك رقابها ومغفرة ذنوبها في هذا اليوم العظيم المبارك -ربما لقاء وملتقى آخر في هذا الموضع لن يتكرر مستقبلاً قط- كان بعضهم وقوفاً وبعضهم جلوساً في الخلوة مع النفس لكي يُصلح ما بينه وبين ربه، فالواحد منا يعرف نفسه وهو يعرفها خيراً منها، إلى أن حانت ساعة المغادرة بعد الغروب إلى المزدلفة والمبيت فيها واداء صلاة المغرب والعشاء جمع تأخير عند المشعر الحرام حديث مقبل إن شاء الله ..