مفهوم « الميليشيا الوطنية الشعبية » والتغيُرات

الميليشيا، هي بالعادة ليست ذم كما يعتقد الكثير إنما مصطلح يقصد به قوات شبه عسكرية وجماعات مسلحة عناصرها مدنيين ينتقلون من حالة المدنية إلى العسكرية بسبب وضع ما يدفعهم للأنظمام لهذه الجماعات والتنظيمات أو يتم استدعائهم من جهات قد تكون حكومية أو غير حكومية لتشكيل ميليشيا وتنظيمات مسلحة، وهي تختلف عن الجيش النظامي من حيث الهيكل والأهداف والتنظيم والتفرعات الأخرى
.ـــــــــ الميليشيا الوطنية الشعبية
ظهرت أفكار بناء الميليشيات الوطنية والشعبية بين دول أوربا في أواخر القرن الثامن عشر وبدأت تظهر في بداية القرن التاسع عشر ثم طرأت تغييرات كبيرة عليها في القرن العشرين، والمشغل الأكبر لهذه الميليشيات هي "الثورات" لأن الجيوش النظامية كانت ملك تام للملوك والحكام، ومما لا شك أن قواد الثورات هم من وضعوا أسس تشكيل هذه الميليشيات لتكون أداة الثورة العسكرية قبل تثبيت السلطة الجديدة وإنشاء جيش نظامي لها، وخلال تلك الفترة – أواخر القرن الثامن عشر – ظهر فكر جديد في بروسيا يتعلق بالميليشيات الوطنية، فبعد النكبات والهزائم المريرة التي مني بها الجيش البروسي على يد نابليون في الحروب النابليونية، ظهرت أصوات تطالب وتحث على أصلاح الجيش البروسي جذرياً وقد كان هذا الإصلاح نصيب المصلحين الجنرالات الخمسة بقيادة كبير المصلحين ذو الفكر العبقري "ديفيد فون شارنهورست" وبعد حملة وجهود كبيرة من قبل هؤلاء طرأت تغييرات جوهرية في الجيش البروسي بتحطيم الأفكار البالية والإصرار على ان يكون الإصلاح جذريا وليس تجميلياً، ورغم تفرع الإصلاحات وأماكنها كان إهتمام شارنهورست الأكبر بفرعين ضروريين هما هيئة الأركان العامة .. وإعادة توثيق العلاقة بين الجيش من جهة والشعب من جهة والدولة والملك من جهة، وإيجاد طرق تحول الجيش من خادم للملك إلى جيش شعبياً خادم للشعب والدولة يبادله الشعب البروسي العاطفة والمشاركة والشعور بوحدة المصلحة، حيث كان الشعب البروسي لا يكن أي اهتمام أو مبالاة بالجيش لأنه كان يعتبر من قبل الشعب على أنه جيش الملك والحروب حروب الملك، ولا تعني لهم سوى المزيد من الضرائب.
بدأ المصلحين الخمسة حملتهم وجهودهم لإصلاح هذا الخلل الكبير، وغلق الفجوة بين الشعب والجيش بمجموعة من القوانين والتنظيمات والإدارة، وبعد إلغاء اتفاقية باريس 1808م وتطبيقاً لأفكار شارنهورست جاء اولاً " تطبيق نظام تعبئة وطنية شاملة " بإخضاع جميع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20- 32 عاماً للخدمة العسكرية الإلزامية بحيث يتوفر لدى بروسيا جيش نظامي عامل يخدم المجندون الألزاميون فيه لمدة ثلاث سنوات ويكون لهذا الجيش احتياطي، ثانياً إلى جانب الجيش تم تنظيم "ميليشيا شعبية وطنية " من مجندين قادرين على التحشد والتعبئة السريعة إلى جانب الجيش النظامي في اي لحظة ووقت يتطلب وجودهم وتعبئتهم وترتبط هذه المليشيا بهيئة الأركان العامة لا بيد الملك ولا الحكم وتأخذ أوامرها من اللجنة المكونه لهيئة الأركان العامة، كان هذا المفهوم الجديد الذي أبتكره شارنهوست خلق مليشيا وطنية تكون صلة بين الجيش والشعب في حالات الحرب والسلم ودائماً على استعداد للقتال في الحرب جنباً إلى جنب مع الجيش، وبالتأكيد يتم تهيئتها عسكرياً بالتدريبات والمناورات السنوية، ثم أيضاً اعتقد أحد المصلحين وهو "هيرمان فون بوين" الذي كان في وقته وزيراً للحربية معتقد جديد من جهة ثانية أن تكون هذه المليشيا الوطنية في زمن السلم يمكنها ان تكون الحلقة التي تصل بين الجيش والشعب في حال انفصالهما عن بعض كلياً، وعلى الرغم من هذه الأفكار الجديدة والمفاهيم الرائعة إلا إنها لم تنجح كلياً فكانت لبعض الحوادث أثرها في تقويض المليشيا الوطنية في بروسيا وجعلتها تخضع لعدة متغيرات، إلا أنها لم تقضي عليها أو تغيرها.
ـــــــــ الميليشيا الوطنية الشعبية في ما بعد
فكانت التجربة البروسية هي أولى أفكار الميليشيا الوطنية والشعبية الواسعة التي تقف إلى جانب الجيش النظامي وتكون بمثابة اليد العسكرية الأخرى في الدولة إلى جانب الجيش، وأصبحت بمثابة جيش الثورات وأدواتها في دول أخرى، وهذه المفاهيم ساهمت بمرور الوقت والزمن بخلق جيوش شعبية تختلف مفاهيمها من مكان لأخر ومن دولة إلى أخر ومن ثقافة إلى أخرى إلى أن طرأت تغييرات على مفاهيم هذه التجربة والاجتهاد العسكري، وعلى الرغم من أن الميليشيا الوطنية البروسية خلقت لخدمة الشعب ومساعدة الجيش، إلا انه في القرن العشرين أصبح تشكيل الميليشيا الوطنية واستخدامها أداة استبداد وسيطرة على الشعب وحتى على الجيش النظامي وأصبحت مفهوم هذه الميليشيا الداعي السلطوي الأكبر والمسلح لنشر أفكار الثورة وأفكار القائمين على الثورات والانقلابات والتمردات بالقوة على الناس وأصبحت الميليشيا مسيسة بالكامل، وبما أن خلق الميليشيا الوطنية البروسية كانت قائمة على الانضباط والأوامر العليا بحيث تتوافق حتى مع خطط الأركان العامة على الأرض التي هي بالأصل مخططة لتعبئة الجيش فيها، أصبحت الميليشيات في ما بعد بعيدة عن الانضباط والمركزية يسود عليها طابع الفوضى والتشابك رغم وحدة الأهداف والمصلحة فقد يخرج بعض قادة المجاميع في ميليشيا ما إلى التمرد أو مجموعة من المجندين ينتهكون الحقوق والقوانين ويبثون الذعر والخراب دون سلطة وقوة عليهم من قواد المليشيا بسبب انعدام المركزية والتنظيم الصارم والانضباط الفعلي العملي ونقص الفكر العسكري التنظيمي وثقافة الجندية.
فتحول مصطلح المليشيا الوطنية والشعبية إلى مصطلح المليشيا المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية والإجرامية السياسية وأيضا ظهر الند بمصطلح "المقاومة الشعبية" التي هي بالأساس أيضا مليشيا تتشابه بعض الشيء بنفس المفهوم البروسي القديم من حيث كونها مليشيا شعبية للدفاع عن الوطن وحماية المدنيين من الأحتلالات والمطامع والحروب لكن تختلف هذه المليشيا الشعبية عن المليشيا الوطنية البروسية كما ذكرنا خصائص هذا الاختلاف في البداية، وأصبح لها في ما بعد مسميات أخرى كثيرة تختلف عن بعضها البعض وتختلف التسميات من حيث التطبيق من مكان لأخر حيث تلاحظ اختلال وفوضوية مليشيا ما في دولة بينما نلاحظ قوة مليشيا ما لدرجة تكون متفرعة إلى أفرع ذات سيطرة مركزية من استخبارات وشرطة سرية وجهاز خاص..الخ، وبالتأكيد هذا يقوم على نوعية الثورة او السيطرة وعلى نوع القواد والقائمين بالثورات والتمردات والانقلابات، بكل الأحوال تنوعت مصطلحات المليشيات وأصبحت تشير إلى معاني عديدة منها أصبح لها ارتباط قوي بالدول تحت عنوان مليشيا الدولة ومنها معاني سلكت طرق أخرى ارتبطت بمصطلحات المرتزقة وأصبح هناك فرق بين الاثنين وكذلك تشابه وتداخل بين الاثنين وهذا الموضوع ينظم تحت عنوان المليشيا بشكل عام وتفرعاتها.
