وقفات في يوميات تولستوي
يوميات تولستوي (الجزء الأول)
إن قراءة يوميات تولستوي تشبه متعة تأمل عمارة أو لوحة باروكية ممتلئة بالتفاصيل الصغيرة والتي تبدو لأول وهلة زائدة ومربكة ولكن لا تكتمل اللوحة دونها, ولذلك لا تكتمل قراءة أعمال تولستوي الفنية دون قراءة يومياته.
إنها الفوضى الفاعلة التي صنعته.
***
كتب تولستوي: (لا يكفي أن نصرف الناس عن الشر, لابد أيضاً أن نحببهم في الخير).
وأقول: لا يكفي فقط أن ننتقد فكرة ما أو نص ما دون أن نحاول تقديم فكرة أخرى أو تصحيحها أو إعطاء توجيه, فالجميع بإمكانه أن ينتقد.
***
(الهدف من حياة الإنسان هو تقديم كل مساهمة ممكنة لتطوير الوجود كله من كافة جوانبه).
هذا هو معنى الخلافة في الأرض, ولذا هذه الجملة تذكرني بقوله: {إني جاعل في الأرض خليفة}.
***
(كم يصعب على الإنسان أن يطور نفسه إلى الأفضل بينما يخضع لتأثير واحد سيء).
وهذا يذكرني بما أشار له غوستاف لوبون هو الآخر فوجود المؤثر ضروري لتطور الإنسان وإخضاعه لتجارب تظهر من جوانبه ما يتعذر ظهوره في ظروف أخرى تميل إلى الركود والرتابة, وربما لذلك يستحيل على المرء معرفة نفسه معرفة دقيقة. لا بد من مساحة للمفاجآت.
***
( إن أردنا أن نؤيد سلطة قد تم الاستيلاء عليها بالقوة وقائمة على الانتهاكات, فأفضل وسيلة هي استخدام القوة والقيام بالانتهاكات)
يقولها تولستوي هنا على سبيل الاستنكار والتأكيد على حتمية استخدام القوة ومتابعة الانتهاكات لأي سلطة جاءت عن طريقها؛ لأنه هو الطريق الوحيد لبقائها واستمرارها, تماماً كما حدث مع حكومة روبسبير في العهد الذي عرف بعهد الإرهاب, روبسبير نفسه كان مناهضًا لعقوبة الإعدام ومع ذلك كانت هي أكثر ما مارسه ليبقي على سلطته.
***
(ثمة بعض المشاعر لا ينبغي كشفها لأحد حتى إن كانت رائعة وسامية, سوف تفقد قيمتها في نظر هذا الشخص الذي يفحصها أو حتى يحاول تخمين حقيقتها).
كم من مشاعر فقدت نقاءها وطهرها لتعرضها لمثل هذا النوع من التحليل والمحاكمة! أعتقد لا يوجد أبشع من محاكمة المشاعر.
***
(من الضروري فعلًا أن يتذكر المرء جيدًا هذه الحقيقة، وهي أن الأمر استغرق من ثاكري ثلاثين عامًا لإتمام روايته الأولى، بينما كان دوماس يكتب روايتين في اسبوع).
لا علاقة للفترة الزمنية بجودة الرواية أو عدمها فبينما يصب روائي كل أعماقه دفعة واحدة، يصبها أخر على جرعات.
على الأقل هذا ما أؤمن به.
***
(كم يحدث كثيرًا أن يكرر المرء فكرة دون أن يكون على قناعة حقيقية بها، ليس لسبب إلا أنها قد قيلت أمامه ببلاغة).
وهذا ملاحظ وواضح اليوم في رمنسة العزلة ورمنسة الاكتئاب ورمنسة ثقافة الاستغناء وثقافة الاستحقاق التي يتداولها الكتاب والقراء بعبارات أدبيه بلاغية!
***
كتب تولستوي في وصف علاقته بأحدهم: (لم أكن أملك التأثير عليه).
هنالك شيء خفي لا تصلح معه أفواه الخطباء ولا بلاغة الأدباء ولا أي شعور إنساني، يمنع المتلقي من قبول محدثه أو إحداث أي تأثير عليه.
فهو قدر وهو قبول وهو فتح أو منع أو حرمان أو وعي أو حيازة ولا علاقة له بالحب والبغض أحيانًا.
***
(لن أتحدث عن تلك الكتب التي تكتب لغرض أن تقرأ من قبل عدد كبير من الناس، فهذا ليس منتج أدبي، بل نتاج لكاتب حرفي).
هل المعيار هاهنا هو: لمن وجهت؟
***
(لقد وجدت في اليوميات الكثير من الذكريات اللطيفة، وهي لطيفة لأنها ذكريات).
غياب المباشرة ثم غيابنا بفعل الزمن هو ما يقلل من حدة ما يحصل لنا, ويخلق فينا تلك الدهشة: كيف مرت؟!
ومع ذلك من الوهم الظن أنها عبرتنا دون أن تأخذ منا شيئًا، لا شيء يعبرنا دون أثر.
نحن صنع هذه الذكريات.
***
وصف تولستوي عمته بقوله:(لديها إطار محدد يمكنها أن تفكر وتشعر من خلاله).
في الحقيقة إنّ إدراكنا لهذا الإطار هو الذي يسهل علينا توقع مواقف بعض الأشخاص, ويجعلنا نندفع أو نحجم عن الحديث عند من نتوقع سلفًا خذلانه لنا.
وربما لكل شخص إطاره الخاص حتى أولئك الذين يصعب التنبأ بمواقفهم.
***
أعتقد أن أدق وصف للوعي قابلته, كان هاهنا في يوميات تولستوي حيث قال: (إن الوعي هو أعظم شر أخلاقي لا يمكن للإنسان إلا أن يدركه).
إنه حقاً شر أخلاقي.
